يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال صلى الله عليه وسلم:"وقد وجدتموه"قالوا: نعم، قال صلى الله عليه وسلم"ذاك صريح الإيمان" (8) وعن ابن عباس (قال: جاء رجل إلى النبي"فقال: يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه يُعَرِض بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة"(9) وعن أبي زُميل قال:"سألت ابن عباس، فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به؛ قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله عز وجل: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك (94) صلى الله عليه وسلم يونس: 94، قال لي: إذا وجدتَ في نفسك شيئًا فقل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم 3 صلى الله عليه وسلم الحديد: 3" (10) ."
قال النووي: (أما معاني الأحاديث وفقهها فقوله صلى الله عليه وسلم"ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان"معناه: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا وانتفت عنه الريبة والشكوك. وقيل معناه: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد. فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان. وهذا القول اختيار القاضي عياض. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله"وفي الرواية الأخرى:"فليستعذ بالله ولينته"فمعناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه.
قال الإمام المازري - رحمه الله: ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث،