الصفحة 3 من 48

القاصدون، وبه تُعرف الشّرائع والأحكام، ويتميّز الحلال والحرام؛ وبه توصل الأرحام، وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب؛ وهو إمام، والعمل مأموم. وهو قائد، والعمل تابع؛ وهو الصّاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشّبهة، والغنى الّذي لا فقر على من ظفر بكنزه. والكنف الّذي لا ضيعة على من أوى إلى حرزه. مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل بالصّيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشّراب والطّعام) [1] انتهى.

ولا شك أن شرف العلم بشرف المعلوم، فالعلم الذي يعرفك بالله تعالى بأسمائه وصفاته، لا يعدله أي علم لتعلقه بذات الله المقدسة جل ذكره، والاستزادة منه خاصة ومن غيره عامة سُنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه قال تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: 114) ، ولما سئل موسى عليه السلام عن أعلم أهل الأرض في زمانه فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، ثم دله على الخضر عليه السلام، فأراد موسى أن يتعلم منه ويزداد علما فقال: أي رب، وكيف لي به؟ والقصة مشهورة كما في سورة الكهف [2] .

ومما يزيد العلم شرفا أن يكون في مكان مبارك، فيجتمع بذلك شرف المطلوب والبقعة التي يطلب فيها، وهو من باب تحقيق وسائل التحصيل، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث على المسجد، لأنه موطن العلم، بل موطن الدين كله، فإن المسجد في شريعة الإسلام هو المنارة العالية التي يجتمع فيها الطلاب والعباد، ينهلون من معين المنبعين الصافيين السلفيين الكتاب والسنة، يلتقطون دررها ويجمعون يواقيتها، فلا يتفرق جمعهم إلا وقد حطت عنهم الخطايا ومحيت عنهم الذنوب وذكرهم رب العزة جل شأنه في ملكوته مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ"

(1) مدارج السالكين (2/ 469 - 470) .

(2) وانظر البخاري (122) و (2267) وغيرها ومسلم (6239) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت