السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَنْ عِنْدَهُ." [1] ، وفي الحديث ذِكرُ بيوت الله وهي المساجد، وليس على سبيل الحصر فيها، وإنما هذا من باب التنصيص على الغالب، لأن حلق العلم ومجالس الذكر غالبا تكون في المسجد والله أعلم."
فإذا اجتمع شرف المساجد عند الله تعالى وشرف المكان الذي هي فيه، زاد الشرف شرفا، كما هو الحال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان ولا يزال مدرسة جامعة للعلم والعمل، خرج من هذا الصرح الشامخ والبناء الراقي (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور: 37) ، هذا المسجد العظيم المبارك الذي رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في إتيانه للتعليم أو التعلم وجعل أجر ذلك كالمجاهد في سبيل الله تعالى، ومن أتاه لغير هذا الأمر فهو كالذي ينظر إلى ما ليس له، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا، لَمْ يَاتِ إِلاَّ لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ، أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ."وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام:"مَنْ دَخَلَ مَسْجِدِنَا هَذَا يَتَعَلَّمُ خَيْرًا، أَوْ يُعَلِّمُهُ، كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ دَخَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كَانَ كَالنَّاظِرِ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ." [2] "
فترى طلاب العلم في المسجد النبوي كالنحل في البساتين، ترتشف من رحيق الورود وتنهل من ثمار الأشجار، فتتنقل من مكان إلى آخر بحثا عن جنان العلم ورياض الأخلاق، فيُخرِج الله من بين هؤلاء من هو كالعسل في قاله وحاله، وهذا من بركة التحصيل وبركة المدينة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والتحية.
فتذكيرا بهذا الخير العميم أحببت أن أبذل إلى إخواني طلاب العلم بالمسجد النبوي شيئا من الوصايا والنصائح، حتى يتسنى لهم أن يكونوا في زمن التحصيل على استعداد،
(1) مسلم (2699) .
(2) أخرجه ابن أبي شَيبة (7516) و (32513) وأحمد (8587) و (9409) و (10826) وابن ماجة (227) وأبو يَعْلَى (6472) وابن حبان (87) كلهم من طريق حُميد بن صخر أبو صخر الخراط، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه وانظر صحيح الترغيب والترهيب (83) .