الصفحة 33 من 60

*جذور هذه الفكرة وأصولها:-

لم يكن الكاتب صاحب فكرة جديدة -كما أحب هو أن يصور-، ولم يكن ما طرحه من أفكار وليد دراسة واختبار وتنقير بين بطون الكتب -كذلك: كما أحب هو أن يصور-، ولكن تلك الأطروحات في جملتها أطروحات سبق الكاتب إلى طرحها من أناس كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وممن هم خارج دائرته.

ويمكن أن نعيد أطروحات"خليل عبدالكريم"إلى مصدرين، مِنْ آسِنِ فِكْرِهِما شَرِبَ؛ هما: أ- المستشرقون: الذين طوروا منهج نقد النصوص، لنقد ما يسمّى الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) وكتب أخرى تلحق بهما [1] ؛ وكان النقد المنهجي للكتاب المقدس قد حقق منذ القرن التاسع عشر حتى وقت قريب نتائج باهرة في نقد العهد القديم (التوراة وكتب أخرى ملحقة بها) بخاصة، مما جعل المستشرقين يظنون أن بوسعهم إن عمدوا إلى تطبيق قواعد هذا النقد على القرآن الكريم أن يتوصلوا إلى نتائج مماثلة.

ومن ثم استندت دراساتهم للكتاب العزيز على تلك القواعد منذ منتصف القرن التاسع عشر، وكان نقاد ما يسمى الكتاب المقدس من العلماء الألمان بخاصة والأوربيين بعامة قد اعتمدوا في نقدهم للعهد القديم على منهج نقدي أسموه"النقد الأعلى"الذي يهدف إلى دراسة نصوص ذلك العهد على أنها نصوص تاريخية على الباحث أن يطبق عليها كل المعايير التي يطبقها على أية نصوص تاريخية أخرى، بصرف النظر عن أنها نصوص مقدسة.

وقد تبين لهؤلاء العلماء أخيرًا، وبعد جهد مضنٍ، أن تلك الأسفار مكتوبة بأقلام اليهود، وتظهر فيها الأفكار والنظم المتعددة التي كانت سائدة لديهم في مختلف أدوار تاريخهم الطويل؛ وطبّق العلماء المنهج نفسه في دراستهم للأناجيل الأربعة

(1) مدرسة النقد التاريخي في الغرب التي أسسها الكاثوليكي ريتشارد سيمون بكتابه (( التاريخ النقدي للعهد القديم ) )عام 1678م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت