الصفحة 46 من 60

وقد يكون هذا التلميح إلى جانب ملاءمته للمنهج القصصي الذي يهتم بإبراز الحدث وقيمته ومغزاه لكونه الهدف من القصّ، فإنه يناسب طبيعة التشريع الإسلامي فيما يخصُّ أسماء النساء مثلا: امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون، وكذلك زوجة إبراهيم هاجر وسارة، وأسماء زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمجادلة في زوجها [1] .

5 ـ التجريد الزماني والمكاني، حيث لا يحدد القرآن زمن الحدث أو مدته أو مكانه إلا ما كان محوريًا في الحدث أو مسرحًا له كمصر في قصة يوسف، أو المسجد الحرام والمسجد الأقصى في الإسراء والمعراج، أو مدة رسالة نوح، أو مدة لبث أهل الكهف في نومهم، أو المدة التي أماتها الله للمارّ على القرية الخاوية [2] .

وترجع أسباب التجريد في الزمان والمكان في قصص القرآن إلى أمرين:

أولهما: عناية القصة بالحدث وتقرير الحقائق الدائمة المستقلة عن الأشخاص، والتي يمكن الإفادة من حكمتها ومغزاها في كل زمان ومكان بما يتلاءم مع عالمية رسالة القرآن واستمرارها، فما الأشخاص في القصص القرآني والحال كذلك إلا أمثلة لتلك الحقائق المقصودة لذاتها [3] .

الثاني: تحقيق الإيجاز غير المُخِلّ [4] .

6 ـ التنويع بين الإجمال والتفصيل، ففي مواضع: التحذير من العناد والتكذيب والإصرار على الباطل، والتخويف من مصائر المكذبين، يكون الإيجاز والفواصل القصيرة دون ذكر للأسماء أو للمحاورات [5] ، فيورد القرآن ـ مثلا ـ في تسع آيات من سورة الفجر ثلاث قصص لمكذبي الرسل تشمل أعمالهم وعقابهم. قال تعالى: {ألم تركيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الأوتاد. الذين طغوا في البلاد. فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لبالمرصاد} [6] . وهذا مالا نظير له في التوراة أو الإنجيل.

7 ـ عاقبة القصص، يأتي ختام القصة في القرآن بعكس ختام قصص التوراة والإنجيل حيث تختم القصة مع نهاية السفر أو الإصحاح، ففي قصة يوسف مثلا يفترض أن تكون الخاتمة في لقاء يوسف بأبيه يعقوب الذي صورته التوراة على النحو التالي: (( فشد يوسف مركبته وصعد لاستقبال إسرائيل أبيه إلى جاسان، ولما ظهر له وقع على عنقه وبكى على عنقه زمانًا. فقال إسرائيل ليوسف أموت الآن بعد ما رأيت وجهك أنك حي بعد ) ) [7] .

وعلى الرغم من أن عبارة يعقوب لم تمس سبب العقدة الأصلية في القصة وهى رؤيا يوسف وتآمر إخوته عليه، فإن القاصّ في التوراة يكمل الأحداث بعد هذا اللقاء ليصف لقاء يعقوب بالفرعون، والمكان الذي أقطعه لبني إسرائيل، ومرض يعقوب وموته.

أما ختام القصص في القرآن فيكون غالبًا في شكل عبرة، أو عظة، أو حكمة، أو تقرير موجز [8] ، كما في قصة السامري مع العجل: {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علمًا} [9] ، وفي قصة أهل الكهف: قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من

(1) حسين علي محمد، القرآن ونظرية الفن، ص 112، القاهرة 1413 هـ ـ 1992م.

(2) التهامى نقرة، سيكلوجية القصة في القرآن، ص 97. مرجع سابق.

حسين علي محمد، القرآن ونظرية الفن، ص 113. مرجع سابق.

(3) سيد قطب، في ظلال القرآن (2/ 217) ، دار الشروق. القاهرة 1402 هـ ـ 1982 م.

(4) عبد الجواد المحص، أدب القصة في القرآن الكريم، ص 255، الدار المصرية بالاسكندرية 1420هـ ـ 2000م.

(5) التهامى نقرة، سيكلوجية القصة في القرآن، ص 91.

(6) (الفجر/6ـ14)

(7) سفر التكوين (46/ 29 ـ 30) .

(8) حسين محمد علي، القرآن ونظرية الفن، ص 113، مرجع سابق.

(9) (طه/98)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت