ولاشكَّ في أنَّ هذا الموقف لايخلو من أهمية ، خاصةً في عصرنا الحالى -والآتى - الذى يشهد تدفقًا معلوماتيًا يهدد الذهن بالانجراف التام ، ولا يعصم في ذلك إلا امتلاك النماذج التفسيرية القادرة على الإلغاء ، والتهميش ، والاستبصار .. غير أنه ، من الجهة الأخرى ، لابد للنموذج التفسيرى أن يكون كذلك بالفعل، أعنى ألاَّ يكون (النموذج التفسيرى ) أداةً تأويلية ، سرعان ما توقعنا في التعسُّف التطبيقى ، وتعمينا عن رؤية الصورة الكُلِّيَّة للأشياء الماثلة أمامنا ، مثل صورة (المعبد / القلعة) التى لم يفسر نموذج د. المسيرى واقعها الفعلى، ولا عمقها التاريخى . ولم يكشف عن الصلة بين هذا المعبد والمعابد الأخرى التى بُنيت في سياقات مختلفة على مَرِّ التاريخ ، وأهمل -بالتالى- حقائق أخرى ، مثل كون اليهود القُدامى ، في المدينة المنوَّرة إبَّان عهد النبوة ، كانوا يعيشون -بالفعل - في قِلاع .. أو بالأحرى: بيوتٌ محصَّنة .
إن المقدرة الحقيقية للنموذج التفسيرى ؛ التى تجعله جديرًا بهذه الصفة هى أن يكون النموذج كاشفًا عن العلاقات التسانديَّة بين المعطيات وشروطها الموضوعية ، وهذا لايتيَّسر إلا بالضَّبْط النظرى للنموذج ، وبالانضباط العملى في تطبيقه على المعطيات دونما إزاحة مقصودة لبعض التفاصيل ، تأكيدًا للتأويل .. وتطبيقًا -لامفر منه- لمقولات ، أو نماذج تفسيرية جاهزة للإنطباق، ساحرة الإيقاع والوقع !
ومفهوم الحلولية ذلك (النموذج) الأهم الذى تفسِّر به الموسوعة معطياتها، كان لابد -فى مجال ضبطه النظرى - من الانتباه إلى أنَّ الحلول هو المرحلة الوسطى ما بين الاتحاد و الوحدة .. فالاتحاد عروجٌ بالإنسانية إلى الألوهية والحلول بالعكس ، والوحدة تجمع بينهما . ولايُشترط أن تكون الحلولية مؤامرة خبيثة ممتدَّة في التاريخ ، فقد يكون محاولة إنسانية صِرْفة لإدراك الله المحتجب في ذاته ، المتبدِّى في خلقه