الصفحة 336 من 381

الإشكال الذي يراه الرازي هو أن"المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلى الأبوة والبنوة … وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر؟ ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام (23) ، يورد الرازي جوابا عن هذا من خلال نقله عن المفسرين قولهم بأن السبب في هذا الانحراف يرجع إلى بولص وإلى الضغوط والمضايقات التي تعرض لها النصارى الأوائل على يد أعدائهم، غير أن الرازي لا يذكر من هؤلاء المفسرين الذين قالوا بهذا الرأي إلا الواحدي، كما أن الرازي يتفق مع كثير من مؤرخة النصرانية في نسبتهم هذه التطورات من التوحيد إلى التثليث إلى بولص (24) ، وبشيء من الاختصار غير الدقيق يشير إلى التطورات التي حدثت في النصرانية وأبعدتها عن ما كان عليه عيسى وحواريوه، إذ رأى"أن لفظ الابن لعله ورد في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف، ثم أن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية، والجهال قبلوا ذلك، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام، والله أعلم بحقيقة الحال" (25) ، ومع العلم بأن الرازي كان على إطلاع على مذاهب النصارى، وعلى أناجيلهم، إلا أنه لم يذكر ذلك هنا، وكأنه لم يحفل بها، واكتفى بإيراد أقوال ليست من صميم ما جرى من تطورات في عقيدة النصارى كما سبق وأن ذكرنا في تمهيد هذا البحث، والله أعلم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت