2.تطور التثليث: يرى ابن عاشور التأثير اليوناني على مفهوم التثليث، حيث أنه نشأ من اعتقاد قدماء الإلهيين من نصارى اليونان أن الله تعالى (ثالوث) ، أي أنه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع في ثلاثة أقانيم … أقنوم الأب (الوجود أو الذات) ، وأقنوم الابن (العلم) ، وأقنوم الروح القدس (الحياة) . فأقنوم الذات هو أصل الموجودات، ومن أقنوم العلم كان تدبير القوى العقلية، ومن أقنوم الحياة كان إيجاد عالم المحسوسات (14) ، غير أن ذكر ثلاث صفات وإهمال الباقي على تقدير اعتبارهم لها صفات، يؤدي إلى التشابه مع ما كان يقول به الأفلاطونيون الجدد من فكرة التولد والفيض، إذ وكأن الأقنومين الآخرين فيض من الأقنوم الأول.
ثم أن النصارى -كما يرى ابن عاشور- فسروا هذه الصفات تفسيرات أخرى، إذ سموا أقنوم العلم بالكلمة باعتبار أن الأناجيل أطلقت لفظ الكلمة على المسيح، فأرادوا أن المسيح مظهر علم الله، غير أنهم زادوا غلواًّ"فتوهموا أن علم الله اتحد بالمسيح فقالوا: أن المسيح صار ناسوته لاهوتا، باتحاد أقنوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثم نشأت فيهم عقيدة الحلول. أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوعة، ثم اعتقدوا اتحاد الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح" (15) .كما أن ابن عاشور يورد الصراع الذي حدث بين دعاة التوحيد (آريوس) وأتباعه، وبين دعاة التثليث خلال القرن الرابع الميلادي، ثم مؤتمر نيقية الذي جمع فيه قسطنطين الرهبان، وأصدروا قانون الإيمان المسيحي الذي قرر:"أن كلمة الله اتحدت بجسد عيسى، وتقمصت ناسوته؛ أي إنسانيته، فصارت الكلمة ذاتا في بطن مريم، وصارت تلك الذات ابنا لله تعالى، فالإله مجموع ثلاثة أشياء: الأول الأب ذو الوجود، والثاني الابن ذو الكلمة، أي العلم، والثالث روح القدس" (16) .