خامسًا: قوله تعالى:"ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبيّن لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون" [المائدة: 75] ، وفي هذه الآية أيضا تأكيد لنبوة عيسى ونفي لألوهيته أو ألوهية أمه، والدليل أنهما كانا يأكلان الطعام، كما أن عيسى هذا متولد من أم فهو مفتقر لأم، والمفتقر إلى غيره لا يصلح أن يكون إلهًا. ولهذا يرجع ابن عاشور إلى أساليب العربية لاستخراج الحجج التي جاء بها القرآن على بشرية عيسى ومساواته لبقية الرسل،"وأنه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختص فيه بخصوصية لم تكن لغيره في وصف الرسالة. فلا شبهة للذين ادّعوا له الإلهية، إذ لم يجئ بشيء زائد على ما جاءت به الرسل، وما جرت على يديه إلا معجزات كما جرت على أيدي رسل قبله" (21) ، فإذا كان عيسى -عليه السلام- أحي الموتى من الحيوان، فإن موسى -عليه السلام- أحي العصا وهي جماد فصارت حية. فأين العجيب في عيسى، ولم يكن في غيره من الرسل. فإن اختلفت صفات هذه الأعاجيب أو المعجزات فقد تساوت في أنها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض (22) ، أما أمه فقد حدد القرآن مرتبتها بأنها {صدّيقة} والقصد من وصفها بأنها صدّيقة نفيٌ أن يكون لها وصف آخر أعلى من ذلك. وهو وصف الإلهية. ونفي إلهية عيسى وأمه يمكن أن يعقله أي إنسان ذلك أنهما كانا يأكلان الطعام، وهي صفة من صفات البشر، وهي صفة واضحة يراها كل الناس. ويرجع ابن عاشور في تأكيد هذا الأمر إلى الأناجيل نفسها، إذ أنها"أثبتت أن مريم أكلت ثمر النخلة حين مخاضها، وأن عيسى أكل مع الحواريين يوم الفصح خبزًا وشرب خمرًا، فيذكر ابن عاشور ما ورد في إنجيل لوقا الإصحاح 22: {وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لأني لا أكل منه بعدُ، وفي الصبح إذ كان راجعا في المدينة جاع} " (23) ، وكما مرّ معنا عند الحديث عن الرازي بأنه جعل من هذه الآية دليلا على أن عيسى محدث لأنه