الصفحة 358 من 381

أما"روح القدس فالقرآن يعني به جبريل - عليه السلام - فهو حامل الوحي إلى الرسل" (7) ، وبدون التفات إلى آراء النصارى في روح القدس، فإن سيد قطب يثبت المعنى القرآني، الذي يراد به جبريل عليه السلام، ويكتفي بإيراد اعتقادات النصارى في عيسى، والتي سيأتي على تفصيلها في تفسيره للآيات اللاحقة.

ثالثًا: قوله تعالى:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" [آل عمران: 59] ، يرى سيد قطب أن ولادة عيسى عجيبة حقًا بالقياس إلى مألوف البشر. ولكن أية غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أب البشر؟" (8) ، والنصارى الذين كانوا يجادلون حول عيسى بسبب مولده يقرون بنشأة آدم من التراب، وأن النفخة من روح الله هي التي جعلت منه هذا الكائن الإنساني، دون أن يصوغوا حوله الأساطير التي صاغوها حول ميلاد المسيح، في حين أن العنصر الذي به صار آدم إنسانًا هو العنصر ذاته الذي ولد به عيسى من غير أب،"عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك وإن هي إلا الكلمة: (كن) تنشئ ما تراد له النشأة (فيكون) " (9) ، وبالقرآن تتجلى بساطة الحقيقة؛ حقيقة عيسى وآدم، وحقيقة الخلق كله، وتدخل إلى النفس بكل يسر وفي وضوح، وكما يقول سيد قطب:"حتى ليتعجب الإنسان: كيف ثار الجدل حول هذا الحادث، وهو جار وفق السنة الكبرى. سنة الخلق والنشأة جميعا. وهذه هي طريقة الذكر الحكيم في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي البسيط" (10) ، فسيد يؤكد أن المنطق الفطري هو الطريق السوي الذي استعمله القرآن في الإجابة عن هذه الإشكالات التي أغرق النصارى في تعقيدها وهي واضحة لمن يستعمل نظره وبصره في سنن الله الحاكمة، فالسنة التي أخرجت آدم هي نفسها التي أخرجت عيسى إلى الوجود أيضًا، فلمَ يقبل النصارى تطبيقها على آدم، ويرفضون تطبيقها على عيسى؟ !"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت