خامسًا: قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد .." [المائدة: 72-73] ، فالوصف بالكفر جاء في القرآن سواء لمن قال بأن الله هو المسيح ابن مريم أو أن الله ثالث ثلاثة (20) وينقل سيد قطب عن أبي زهرة ما انتهت إليه المجامع النصرانية من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك، كما أنه ينقل أقوالًا عن بعض الكتاب النصارى أمثال (نوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني) ، و (الدكتور بوست) ، هذه الأقوال تحاول تفسير عقيدة التثليث، والقول بأن البرهان العقلي عليها مؤجل وليس هذا أوانه (21) والقرآن يرد على هذه التقولات بمنطقه، إذ"يواجههم بالمنطق الواقعي القويم، لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم، مع التعجيب من أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح"، حيث أجابهم القرآن بقوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} ، واكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح وأمه ولا ينكرها النصارى، وأمه صديقة ليس أكثر، وهذا دليل على أنهما من الحياء الحادثين، ودليل بشريتهما، فالكل تلبية لحاجة جسدية، والله حي بذاته، قائم بذاته، باق بذاته، لا يحتاج.. ونظرا لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان يعقل، فإن القرآن يعقب عليه باستنكار موقفهم والتعجيب من انصرافهم عن ذلك المنطق (22) .