إلى أن قال: « ... ويجنبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع ، فإنه متى سهل له سبيل الكذب والخيانة أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة ، وحرمه كل خير. ويجنبه الكسل والبطالة ، والدعة ، والراحة ، بل يأخذه بأضدادها ، ولا يريحه إلا بما يجم نفسه وبدنه للشغل ، فإن للكسل والبطالة عواقب سوء ، ومغبة ندم ، وللجد والتعب عواقب حميدة ، إما في الدنيا ، وإما في العقبى ، وإما فيهما ، فأروح الناس أتعب الناس ، وأتعب الناس أروح الناس ، فالسيادة في الدنيا ، والسعادة في العقبى لا يوصل إليها إلا على جسر من التعب. قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.ويعود الانتباه آخر الليل ، فإنه وقت قسم الغنائم ، وتفريق الجوائز ، فمستقل ، ومستكثر ، ومحروم ، فمتى اعتاد ذلك صغيرًا سهل عليه كبيرًا.
ويجنبه فضول الطعام ، والكلام ، والمنام ، ومخالطة الأنام ، فإن الخسارة في هذه الفضلات ، وهى تفوت على العبد خير دنياه وآخرته ، ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب ، فإن تمكينه من أسبابها والفسح له فيها يفسده فسادًا يعز عليه بعده صلاحه ، وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه ، وإعانته له على شهواته ، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه ، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه ، ففاته انتفاعه بولده ، وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة ، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء.