إليك من ربك)، فجمع الرسول ص الناس في غدير خم وبلغهم تلك الرسالة، وبعدها أنزل الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) .
ولكن هذا التلفيق يخالف الحقيقة قلبا وقالبا، وليس هو إلا من نسج خيال البعض إرضاء لأهوائهم.
ولتفنيد تلك المزاعم وفضح ذلك التلفيق أقول:
أولا: الوارد في سبب نزول قول الله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) ، أن الرسول ص كان إذا خرج إلى غزوة من غزواته انتدب بعض أصحابه ليحرسوه من العدو، حتى إذا كان ذات ليلة أنزل الله تعالى عليه (يا أيها الرسول. . .) الآية فأخرج رأسه من قبة خيمته وقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله، ومن نزول هذه الآية والنبي ص لا يتخذ حرسا اعتمادا على عصمة الله تعالى له، حتى أنه جاء أن رجلا قال للنبي ص: أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه وكان يضمر قتل النبي ص، فرعدت يده، وحال الله بينه وبين ما يريد، حفظا للنبي ص.
والواضح من الرواية السابقة أن الآية نزلت ليلا، ونزلت على النبي ص وهو داخل خيمته وعلى فراشه، لذلك قال السيوطي رحمه الله هذه الآية ليلية فراشية، أي نزلت على النبي ص ليلا، ونزلت عليه وهو في فراشه ص.
فانظر كيف بلغت دقة العلماء في تحديد أوقات نزول الآيات، فكيف يغفلون عن إضافتها إلى حادثة الغدير، مع مناسبتها الشديدة لها كما يزعم المحاضر، بل ويجعلونها في أمر آخر مغاير تماما لحادثة الغدير. وهذه واحدة.
ثانيا:
الوارد في نزول قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ، أن هذه الآية نزلت يوم عرفة وهو يوم الحج الأكبر وكان يوم جمعة، وهذا الأمر لا مجال فيه للتشكيك فقد تضافرت عليه أقوال الأئمة ووردت فيه الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما. عن طارق بن شهاب: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا حين أنزلت: يوم عرفة: وإنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أو لا. (اليوم أكملت لكم دينكم) (1) .
وتلك الروايات تدل على أن هذه الآية نزلت على النبي ص في يوم الحج الأكبر، وكلنا يعرف أن يوم عرفة كان قبل يوم الغدير بأيام فكيف يستساغ أن نقول: إنها نزلت في غدير خم، وقد تواترت أقوال الأئمة على أنها نزلت قبل ذلك بأيام؟!
والعجيب في التلفيق أن يدعي المحاضر أنها نزلت لما نص النبي ص على إمامة علي، وهو والله ما نص على إمامته ولا هي نزلت في غدير خم.
وثالثا:
الوارد في غدير خم أن النبي ص بعدما سلك بأهل المدينة طريقهم إلى المدينة مر على ماء يدعى خما (مكان على الطريق بين مكة والمدينة) فنزل كعادته في السفر أن يستريح بين مسافة وأخرى حتى يلحق به من تخلف به من تخلف عنه، وحتى يستريح من أجهده السفر،