الصفحة 73 من 81

التوحيد إلى الجنة، إلا أننا نجزم أن أكابر الأصحاب - وهم قريب من الألفين - أجل من أن نعتقد فيهم التخفف والرجوع عن حالهم الذي كانوا عليه أيام النبي ص.

وعموما فإن النادر يأخذ حكم الملغي، والغالب يأخذ حكم الكل، وحيث لا تعيين لأحد بالتقهقر، وجب الترضي عن الجميع والنادر يأخذ حكم الملغي عند الشيوع وعدم التعيين.

وأمر ينبغي أن نلفت إليه الأنظار: وهو أننا لا ينبغي أن ننسى أن غالب العرب ارتدوا بعد موت النبي ص سوى المدينة ومكة (1) حفظهما الله من الردة، فوقف أبوبكر لتلك الردة وجاهد فيها جهادا لا يقوم به بعد الأنبياء أحد سوى الصديق نفسه، وقد قتل في تلك الردة أعداد كثيرة من المرتدين، وأكثر ذلك كان في جهاد الصحابة لبني حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب حتى سميت الحديقة التي قتل فيها حديقة الموت لكثرة من قتل فيها.

ـــــــــــــ

(1) اطلعت فيما بعد على كتاب قيم هو: (الثابتون على الإسلام زمن الردة) للدكتور مهدي رزق الله أحمد، فظهر لي أن الثابتين على الإسلام في الأماكن الأخرى كثير، وليسوا في مكة والمدينة فقط.

أضف إلى ذلك أن الرسول ص مات وهناك من يظهر إسلامه وصحبته لكنه منافق كافر في الباطن لم يعلم به الرسول ص، فلربما هو المعني في الحديث، أما أن نفهم من الحديث تكفير الصحابة، لا سيما أبا بكر وعمر وعثمان وبقية العشرة المبشرين بالجنة ومن ورائهم الألوف المؤلفة من أصحاب النبي الكرام البررة الذين زكاهم النبي ص ورباهم على القرآن والحكمة وعلى الصدق والإخلاص فهيهات هيهات، إن هذا الفهم لهو الكفر بعينه، ولهو الردة بعينها، نعوذ بالله من الضلال والكفر وعمى البصر والبصيرة.

وبعد أن قلت هذا الكلام، أغلق صاحبنا كتاب البخاري، وعلى وجهه حسرة وكآبة، وعلى القوم وجوم وسكون تحكي وجوههم الهزيمة، يصدق فيهم قول الله تعالى: (وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) ، وتذكرني بقول الله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) .

وقام صاحبنا ليضع صحيح البخاري في المكتبة وجميعهم صامتون حتى قطع سكوتهم أححد الدهماء قائلا:

الصحابة كلهم علهيم الرضوان حتى معاوية عليه الرضوان؟

(والرجل يقول هذا الكلام مستهزئا وتعلوه سخرية واضحة) .

العبد لله:

دعك عن هذا، ولكن أريد أن أسألك سؤالا،

فقال: تفضل.

قلت: هل ترضى مثلا أن يشتم أبوك؟"عفوا"،

فقال: لا.

فقلت: هل ترضى أن يشتم عمك؟

قال: لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت