فهرس الكتاب
ونظر الصحابة والتابعون، فوجدوا أن الإسلام أباح الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا من أجل المحافظة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الإسلام قد أباح تجريح الشهود من أجل حفظ الحقوق الدنيوية من الدماء والأموال والأعراض، فهو من أجل حفظ دين الله الذى يترتب عليه صلاح الدنيا والآخرة أوجب، كما وجدوا أن النبى صلى الله عليه وسلم عدّل، وجرّح، وسن للمسلمين القول في الناس على سبيل النصيحة، وأى نصيحة أنفع من حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدر الثانى للتشريع الإسلامى بعد القرآن الكريم.
وجاء الصحابة فسلكوا سبيل نبيهم صلى الله عليه وسلم فعدّلوا، وجرّحوا، وتثبتوا من المرويات، ومحصوها، وإن كان الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا قليلًا في هذا الزمن المبارك لقلة بواعثه.
ثم جاء التابعون من بعد الصحابة، فسلكوا طريق سلفهم الصالح، فعدّلوا، وجرّحوا، ونظروا في المرويات، ونقدوها كما ينبغى.
وكلما تباعد الزمن، زاد العبء، وكثرت المشقة، وأصبح الأمر يتطلب جهدًا أكبر من ذى قبل، ونشط علماء الإسلام لذلك، ولم يخل عصر من الأعصر بعد ذلك من متكلم في رواة الحديث جرحًا وتعديلًا، ومن ناقد للإسناد، متحقق ومتثبت من صحة المتون.
وأصبح المسلمون يمتلكون علمًا لم يتيسر لأمة في القديم أو الحديث، وهو علم الرجال، أو علم الجرح والتعديل [1] .
فلقد عنى المسلمون بدراسة الأسانيد، واهتموا بها اهتمامًا عظيمًا لم يسبقوا إليه ولم يلحقهم أحد فيه [2] .
كما اهتموا بدراسة المتون، ونقدها، وتبيين ما يصلح للاحتجاج به، وما لا يصلح
(1) راجع هذا في كتابنا: مبحث في الجرح والتعديل.
(2) قد أوضحنا الكلام عن الإسناد، وأنه من خصوصيات الأمة الإسلامية، ومنزلته، ومتى بدأ البحث عن الإسناد، ومظاهر عناية الأمة الإسلامية بالإسناد، في مبحث الإسناد في كتابنا: مباحث في علوم الحديث.