فهرس الكتاب
فلقد عنى أئمة الإسلام بنقد المتون، وتمحيصها، وكانوا - والحمد لله - متجردين لله تعالى، ثم للحق، وعلموا أن هذا الأمر دين يترتب على الأخذ به سعادة الدنيا والآخرة، لذلك رأوا أن من الواجب عليهم أن يبينوا الحق، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يمنعهم من قول الحق، أن يكون المتن الذى ينقد في الصحيحين، أو أحدهما أو في غيرهما، فمع أن البخارى ومسلم بذلا كل ما يمكن من جهد لتجريد الصحيح من غيره - كما يشهد بذلك صنيعهما في كتابيهما - إلا أنهما لم يدعيا العصمة، فالمعصوم الأوحد إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما غيره فيؤخذ من قوله، ويرد عليه.
ومع ما للصحيحين من منزلة رفيعة عند المسلمين، إلا أن هذه المنزلة لم تمنع أئمة الحديث من نقد ما يستحق النقد، وإن كان في الصحيحين أو أحدهما، وهذا النقد من وجهة نظر الناقد، وقد تكون هذه النقود مقبولة، وقد تكون غير مقبولة، فهى تمثل وجهات نظر لأصحابها، وقد أجاب العلماء عن أكثرها.
ومن الذين انتقدوا أحاديث في الصحيحين: الإمام الحافظ أبو الحسن على بن عمر ابن أحمد، الشهير بالدارقطنى، المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة من الهجرة، في كتابيه:"الإلزامات"و"التتبع".
ومع ذلك، فلقد كانت هذه الانتقادات محل احترام أئمة الحديث، وأخذوها في اعتبارهم عند الكلام عما تفيده أحاديث الصحيحين، فلم يسو العلماء بين الأحاديث التى انتقدت والتى لم تنقد.
قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: ما انفرد به البخارى أو مسلم، مندرج في قبيل ما يقطع بصحته، لتلقى الأئمة كل واحد من كتابيهما بالقبول - على الوجه الذى فصلناه من حالهما فيما سبق - سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطنى، وغيره، وهى معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم [1] .
وتابع العلماء ابن الصلاح على ما قال.
(1) مقدمة ابن الصلاح، ص15،14.