فأعلم الله الناس في هذه الآية أن دعاءهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله،لأن الحاكم بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،وإذا سلّموا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما سلّموا لحكمه بفرض الله.
وأنه أعلمهم أن حكمه حكمه،على معنى افتراضه حكمه،وما سبق في علمه - جل ثناؤه - من إسعاده بعصمته وتوفيقه،وما شهد له به من هدايته واتباعه أمره.
فأحكم فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم،وإعلامهم أنها طاعته،فجمع لهم أن أعلمهم أن الفرض عليهم اتباع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم،وأن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعته،ثم أعلمهم أنه فرض على رسوله صلى الله عليه وسلم اتباع أمره - جل ثناؤه - [1]
قال الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية الكريمة { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } : الكتاب هو القرآن والحكمة هى السنة [2] .
وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى:
{ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [3] : { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } الكتاب يعنى القرآن،والحكمة
يعنى السنة،قاله الحسن،وقتادة،ومقاتل بن حيان،وأبو مالك،وغيرهم،وقيل الفهم في الدين ولا منافاة [4] .
ولم يجعل الله لأولى الأمر طاعة مستقلة،حيث لم يكرر الفعل ( أطيعوا ) - كما كرره مع الرسول صلى الله عليه وسلم - مع أولى الأمر،فقال: { وَأُولِى الأَمرِ مِنكُم } فلم يجعل لهم طاعة مستقلة،بل إنما يطاع أولوا الأمر إذا أَمَروا بطاعة الله ورسوله،أما إذا أمروا بمعصية الله ورسوله فلا طاعة لهم.
(1) المرجع السابق، ص82-85 بتصرف.
(2) تفسير ابن كثير، 1/554.
(3) سورة البقرة، آية رقم 129.
(4) تفسير ابن كثير، 1/184.