فهرس الكتاب
وفى رواية عند مسلم: أن أبى بن كعب قال لعمر: يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: سبحان الله، إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت [1] .
وفى رواية عند الإمام مالك في الموطأ: فقال عمر لأبى موسى: أما إنى لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] .
وقد اتضح من الروايات السابقة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيّن السبب الذى حمله على طلب البيّنة من أبى موسى، وهو إرادة التثبت من الخبر، وحتى لا يجترئ الناس على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيتقولوا عليه ليدفعوا عن أنفسهم الأذى أو ليحققوا لأنفسهم مصلحة، وليس هذا لريبة في أبى موسى كما قال عمر له: أما إنى لم أتهمك... إلخ.
قال ابن بطال: فيؤخذ منه التثبت في خبر الواحد، لما يجوز عليه من السهو وغيره، وقد قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها، وأخذ الجزية من المجوس، إلى غير ذلك، لكنه يستثبت إذا وقع ما يقتضى ذلك.
قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده بالإسلام فخشى أن أحدهم يختلق الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الرغبة والرهبة، طلبًا للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئًا من ذلك ينكر عليه حتى يأتى بالمخرج [3] .
قال الآمدى: وما ردوه من الأخبار، أو توقفوا فيه، إنما كان لأمور اقتضت ذلك، من وجود معارض، أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها، مع أنهم متفقون على العمل بها.
ولهذا أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة، حجة، وإن جاز تركها والتوقف فيها، لأمور خارجة عنها [4] .
(1) هذه الروايات أخرجها مسلم، نفس الكتاب والباب السابق.
(2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الاستئذان - باب الاستئذان، 2/964.
(3) فتح البارى، 11/32.
(4) الأحكام في أصول الأحكام، 1/177.