فهرس الكتاب
ولقد وقف أمام هذا التحريف للدين أئمة وعلماء معاصرون كثيرون، لعل من أشهرهم: الإمام محمد أبو زهرة [1] - رحمه الله- فلله دره حيث يقول:"إن كلمة التطور تضايقني نفسيًا؛ لأن الذين يرددونها يريدون أن يحولوا بشريعة عن مقاصدها إلى ما يوافق أهواء واردة إلى مجتمعاتنا في عواصف ناسفة للحقائق الإسلامية، فيلغون الزكاة باسم التطور، ويلغون الميراث باسم ذلك التطور أيضًا، ويكادون يلغون الزواج والطلاق باسم التطور."
والذين يرددون كلمة التطور هنا، يؤمنون بالقوانين الأوربية أكثر من إيمانهم بالشريعة الإسلامية، ويؤمنون بالاقتصاد القائم أكثر من إيمانهم بالقرآن والسنة النبوية، ومصادر الشريعة جملة وتفصيلًا، من أجل ذلك نتململ من كلمة التطوير"."
ثم يتابع قوله:"إنهم يريدون التبديل، ولا يريدون إيجاد أحكام لما جدّ من أحداث ... يريدون أن تكون الشريعة محكومة لما يجري بين الناس لا أن تكون حاكمة على ما يجري، وينسون أن الشريعة نزلت من عند الله لإصلاح المجتمع، وتنظيم العلاقات بين الناس" [2] .
وعليه فلا مناص من وصف هذا النوع من التجديد بأنه: تجديد غير شرعي بل بدعي، فما هو إلا ابتداع واختراع في الدين وإلصاق ما ليس من الدين به، وتحريف لأصوله وفروعه عن الحق الذي شرعه الله على لسان رسوله -.
المطلب الثاني: معالم التجديد غير الشرعي:
هناك عدد من المعالم للتجديد غير الشرعي، أهمها:
أولًا: تقديس العقل وتقديمه على النقل: فدعاة التجديد غير الشرعي على اختلاف مشاربهم وأهوائهم يلتقون في تقديس العقل ورفع دوره من كونه أداة لفهم نصوص الشارع إلى كونه معارضًا لها مقدمًا عليها، فبعد أن كان الشرع حاكمًا على العقل أصبح العقل -عندهم - حاكمًا على الشرع.
(1) هو محمد أحمد أبو زهرة: من كبار علماء عصره، لقب بالإمام، ولد سنة 1316 هـ في مدينة المحلة الكبرى بمصر، وتدرج في المناصب العلمية حتى غدا أستاذًا ورئيسًا لقسم الشريعة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، واختير عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، وفي مجلس جامعة الأزهر، توفي سنة 1395هـ. من مؤلفاته:"الملكية ونظرية العقد"، و"تاريخ الجدل"، و"زهرة التفاسير". ينظر:"أصول الفقه: تاريخه ورجاله"... للدكتور شعبان محمد إسماعيل ص (647 - 649) ،"زهرة التفاسير"ص (5 - 11) .
(2) المصدر السابق ص (201) .