فهرس الكتاب
عبرة بالرواة ورجال السند، مهما كانت حالات القداسة التي أحاطهم بها المحدثون، وإنما العبرة بحكم العقل في هذا المقام" [1] ."
وكثيرًا ما تجد أولئك ينادون بالأخذ بروح النص دون ظاهره، وبمقاصد الشريعة دون ضوابطها، واعتبار المصالح والمفاسد- حسب أهوائهم - وما تلك الشعارات إلا دعوة لتقديس العقل؛ فروح النص عندهم هو ما فهمته عقولهم، ومقاصد الشريعة إنما تؤخذ وفق مقاصدهم والمصالح والمفاسد إنما هي بتقديرهم لا بتقدير الشرع.
ثالثًا: الفصل بين القرآن والسنة: إنه من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن سنة رسول الله - لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال [2] ، فكلاهما وحي من عند الله، فلا يرد عليهما احتمال التناقض أبدًا، يقول ابن القيم:"والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:"
أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.
الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.
الثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه.
ولا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة فلا تعارض في القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي - تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله ولو كان رسول الله - لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة تختص به، وقد قال الله - تعالى-: - مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ - (النساء: من الآية80) [3] .
إلا أن أصحاب التجديد العصراني المنحرف قد درجوا في مقالاتهم على اتهام السنة تارة بالتشكيك في وجوب قبول الصحيح منها بدعوى اختلاط الصحيح بالضعيف ومشقة التمييز بينهما، وتارة بالتشكيك في كتابتها بدعوى عدم الأمن من التلاعب والفساد؛ فهي لم تكتب إلا بعد موته - - زعموا-، ولو كانت السنة ضرورية لحفظها الله كما حفظ القرآن، وتارة بالتشكيك في عدالة الصحابة؛ فهم بشر غير معصومين من الخطأ، وتارة بالتشكيك في بعض رواة الحديث من الصحابة كأبي هريرة - رضي الله عنه -، وتارة بدعوتهم للاكتفاء بالقرآن وحده في فهم
(1) "تيارات الفكر الإسلامي"لمحمد عمارة ص (70 - 71) .
(2) "الرسالة"للشافعي ص (228) .
(3) "إعلام الموقعين"لابن القيم (2/ 289،288) .