الصفحة 26 من 71

وتدور تعريفات الأصوليين للحكم الوضعي على أنه: ما دل عليه خطاب الشارع بجعل الشيء سببًا وشرطًا ومانعًا [1] ، ويتعلق به أحكام العزيمة والرخصة والصحة والبطلان.

وبعد هذا البيان المختصر للحكم الشرعي وأنواعه فإن ثبات الحكم الشرعي بمعنى دوامه واستمراره يعد أصلًا من أصول الدين قد دلت عليه نصوص الكتاب والسنة بوجوه عدة:

فمن جهة كون الله هو المشرع وأنه هو المتعهد بحفظ كلماته التي هي شرعه.

يقول تعالى: - وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - (الأنعام:115) وقد ذكر المفسرون في تفسير قوله - لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ - أوجهًا منها: أن أحكام الله لا تقبل التبديل والزوال؛ لأنها أزلية والأزلي لا يزول [2] .

ومن جهة أخرى أنكر الله -تعالى- على السابقين تحريف الشرائع وتبديل الأحكام تحذيرًا للمؤمنين من سلوكِ سبيلهم، يقول -عزَّ من قائل-: - وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ - (النحل:116) .

وشدد في النكير على أهل الكتاب لاتباعهم الأحبار والرهبان على تبديلهم لأحكام الله، وتحريفهم لشرائعهم، فجعل اتباعهم على التبديل نوعًا من الإشراك بالله، فقال -سبحانه-: - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا -

(التوبة: من الآية31) .

ومن جهة ثالثة: نهى الله - - عز وجل - المؤمنين عن التبديل والتغيير في الشرع فقال: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ - (المائدة:87) ، فجعل الله الامتناع من الطيبات وتحريمها على النفس أو الغير اعتداءً على حقه -سبحانه- في التشريع.

يقول الشاطبي:"كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي؛ فهو خارج عن سنة النبي -" [3] . وتقريرًا لقطعية الدلالة على هذا الأصل ورفعًا لأي احتمال أو شبهة قد يوردها بعض المغرضين فإن الإجماع قد انعقد على ديمومة التشريع منذ عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- يقول الغزالي:"والسلف من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى القيامة" [4] .

(1) "تنقيح الفصول"ص (80) ،"المحصول"للرازي (1/ 24) ،"روضة الناظر"لابن قدامة (1/ 244) .

(2) "التفسير الكبير"للرازي (7/ 170) .

(3) "الاعتصام"للشاطبي (1/ 59) .

(4) "المستصفى" (1/ 188) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت