فهرس الكتاب
ويقول الزركشي:"مما عرف بالضرورة من دينه -، أن كل حكم تعلق بأهل زمانه فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة" [1] .
فشريعة الله - - عز وجل - خالدة على مر الأزمان شاملة لجميع أحوال العباد، قاضية على وقائعهم ..
فلا تخلوا واقعة عن حكم للشرع.
بيد أن دعاة التجديد المنحرف سلكوا مسلكًا خطرًا ينتهي بهم إلى إبطال العمل بجملة من أحكام الشرع، ومن ثمَّ إحداث أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، ذلك هو القول بتاريخية الأحكام الشرعية، ويقصد به في زعمهم أن كثيرًا من الأحكام الشرعية موقوتة بزمن الرسول - تنتهي بوفاته.
فمن قائل إن آداب قضاء الحاجة"لم تكن موجهة إلينا في الأساس، وإنما تخاطب مجتمع الصحراء والخيام حيث يتم قضاء الحاجة في الخلاء".
وآخر يرى أن فرض الحجاب في المدينة إنما نزل ليعالج قضية اجتماعية خاصة بالمجتمع الإسلامي آنذاك.
وثالث يؤصل لشرعية إسقاط الحدود بدعوى أنها إنما كانت تناسب المجتمع الذي نزلت فيه أما الآن فيمكن أن تستبدل بعقوبات تتفق مع روح المدنية الحديثة وما يتناسب مع حقوق الإنسان - بزعمهم [2] - - قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ - (الحجرات: من الآية16) ، - أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ - (الملك:14) .
وفي القول بتوقيت الأحكام ما يقضي بفساده؛ ففيه اتهام واضح لشرع الله بالقصور والنقص، ولازم ذلك وصفه - عز وجل - بالعجز - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- والطعن في حكمته وقدرته وعلمه - سبحانه وتعالى- كما أنه يقضي ببطلان نبوة محمد - وشمول بعثته بعد مماته -، ومن اعتقد هذا فقد كفر.
ولهذا انعقد إجماع الصحابة على قتال من تخلف عن دفع الزكاة لأبي بكر الصديق - - رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله - متأولًا قوله -تعالى-: - خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ - (التوبة: من الآية103) ؛ إذ أن التخلف عن دفع الزكاة بدعوى ارتباطها برسول الله - أمر يقتضي التأقيت في أحكام الشرع، وهذا يرجع بالمعارضة والمخالفة على الأصل الشرعي القطعي من ثبات الأحكام الشرعية، مما يسوِّغ التحلل من أحكام الشرع، والمروق من دين الإسلام؛ ولهذا عزم
أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على قتال كل من امتنع عن أداء الزكاة وقال:"والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدّونها لرسول الله - لقاتلتهم على منعها" [3] .
(1) "البحر المحيط" (3/ 183) .
(2) "التدين المنقوص"لفهمي هويدي ص (187) .
(3) أخرجه البخاري في كتاب:"استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم"، باب قتل من أبى قبول الفرائض=
= وما نسبوا إلى الرواة، برقم (6413) ، ومسلم في كتاب"الأيمان"، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، برقم (29) .