الصفحة 28 من 71

ومن هنا يظهر بجلاء الفرق بين أهل التجديد الشرعي ودعاة التجديد المنحرف، فالأولون آمنوا بثبات أحكام الشرع فانطلقوا من القواعد الكلية والضوابط الشرعية التي أرستها النصوص والتي

لا تخرج عن مضمونها واقعة من الوقائع النازلة بين يدي الساعة، فأعملوا أنظارهم في الوقائع محققين لمناطاتها، ليخرجوا بحكم الشرع فيها.

والمنحرفون آمنوا بتوقيت الأحكام، وبنوا أحكامهم العصرية على المعاني والحكم العامة فقط كالعدل والرحمة بالعباد متحللين من الضوابط الشرعية، منطلقين من نظر عقولهم القاصرة وأهوائهم المتنازعة، فأخذوا يؤصلون الأحكام على تلك المعاني على مقتضى شهواتهم وأهوائهم، لا بحسب أمر الشارع.

يقول الشاطبي - رحمه الله -:"إن وضع الشريعة إذا سلّم أنها لمصالح العباد فهي عائدة عليهم بحسب أمر الشارع، وعلى الحدِّ الذي حدَّه لا على مقتضى شهواتهم وأهوائهم" [1] .

المطلب الثاني: الأدلة المتفق عليها:

1 -القرآن الكريم: يطلق القرآن عند علماء الأصول على اللفظ المنزل على محمد - المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، الذي صح سنده وثبت تواتره، ووافق العربية ... المقروء في جميع الأقطار، المسموع بالآذان، المحفوظ في صدور الحافظين له" [2] ."

وقد أجمع السلف على أن القرآن كلام الله - تعالى- وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأنه لا خلاف في حجيته، وأنه المصدر الأول للتشريع وهو القطب الذي تدور عليه جميع الأدلة.

إلا أن فئامًا من الناس أحيوا بدع بعض أهل الكلام حيث فرقوا بين الكتاب وكلام الله ليتخذوا من ذلك ذريعة إلى اللعب بالنصوص وزلزلة الثوابت.

يقول ابن قدامة:"وكتاب الله -سبحانه-:هو كلامه وهو القرآن الذي نزل به جبريل -عليه السلام- على النبي - وقال قوم: الكتاب غير القرآن. وهو باطل" [3] .

(1) "الموافقات" (2/ 172) .

(2) "المغني في أصول الفقه"للخبازي ص (185) ، و"شرح المعالم"لابن التلمساني (1/ 46) ، و"الإحكام في أصول الأحكام"للآمدي (1/ 228) ، و"روضة الناظر"لابن قدامة (1/ 266 - 267) .

(3) "روضة الناظر" (1/ 266) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت