الصفحة 32 من 71

أو تقرير هو تشريع الأمة عام للأمة، لا يخرج عن هذا الأصل إلا ما كان من خصوصيات - أو كان اجتهادًا منه - ولم يُقر عليه.

يقول الشاطبي:-رحمه الله-:"فإن الحديث إما وحي من الله صرف وإما اجتهاد من الرسول -عليه الصلاة والسلام- معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة، وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وإذا فرّع على القول بجواز الخطأ في حقه فلا يقر عليه ألبتة، فلا بد"

من الرجوع إلى الصواب" [1] ."

وذهب بعضهم إلى أن السبب في هذا التقسيم هو ارتباط شؤون المجتمع بمصالح تتغير تبعًا لتغير الزمان والمكان، فيزعمون أن السياسة والحكم والقضاء، وشؤون المجتمع، ليست دينًا وشرعًا، يجب فيها التأسي والاهتداء بما في السنة من وقائع، وأوامر ونواهي وتطبيقات، لأنها أمور تقررت بناءً على دواعي قد يرون غيرها، وعالجت مصالح هي بالضرورة متطورة ومتغيرة، ويستدلون على دعواهم تلك بقوله:"أنتم أعلم بأمر دنياكم" [2] .

وهذا القول دعوة صريحة لتعطيل جزء كبير من أحكام السنة وتمهيد لتعطيل شريعة رب العالمين في حياة المسلمين والحديث المستدل به صحيح وإنما الضعف في عقولهم وقلوبهم، فقوله:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"، مفسرٌ الروايات الأخرى ومنها قوله:"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن، إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله - - عز وجل -".

فالنبي - لم يصدر منه أمر للقوم بترك التلقيح، وإنما كان ظنًا منه، وهم فهموا أنَّ ظنه نهي، يقول النووي في شرح الحديث:"قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا وإنما كان ظنًا،"

كما تبين في هذه الروايات" [3] ."

فالسنة كلها تشريع؛ ولا سبيل إلى التفريق بين كلام الرسول - في العقائد والعبادات وكلامه في السياسة وشؤون المجتمع، يؤكد ذلك ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث كان يكتب ما يسمع من النبي - فقال له بعض الناس:"إن رسول الله - يتكلم"

(1) "الموافقات" (4/ 16) .

(2) أخرجه مسلم برقم (2363) .

(3) "شرح مسلم"للنوري (15/ 117) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت