الصفحة 34 من 71

ناسخ له، فالثابت عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة العمل بأحاديث الأحاد الصحيحة وقبولها دون شرط أو تفريق بين مسألة وأخرى [1] .

والحقيقة أن التفريق بين التواتر والآحاد في إفادة العلم اصطلاح حادث لم يدل عليه كتاب ولا سنة، ولم يعرفه الصحابة ولا التابعون، فالرسول - قد صدقه المؤمنون فيما أخبر به دون حاجة منهم إلى تواتر المخبرين، وكذلك كان الرسول - يصدق أصحابه فيما يخبرونه به، و كذا الصحابة يصدق بعضهم بعضا فيما يخبر به عن رسول الله -، ولم يقل واحد منهم لمن حدثه: خبر واحد، لا يفيد العلم حتى يتواتر، وتوقف منهم حتى عضده آخر لا يدل على عدم قبول خبر الواحد، وإنما كان يتثبتون أحيانا نادرةً جدًا [2] .

ولقد كان الرسول - يبعث الآحاد من أصحابه إلى الملوك والولاة ليبلغوا عنه رسالة ربه، فلو كان خبرهم لا يفيد العلم لما أرسلهم، فإن ذلك عبث يتنزه عنه صاحب الرسالة، ومعلوم أن رسل رسول الله -، كانوا يبلغون عنه العقائد والأحكام، دون فرق [3] .

يقول ابن قيم الجوزية:"وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات كما تحتج في الطلبيات العمليات، ولاسيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر، والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم ألبته أنه جَوَّز الاحتجاج في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين" [4] .

إذًا فليس من التجديد في شيء رد عشرات الأحاديث الصحيحة بل المئات منها، وما تضمنته من أحكام وعقائد ونظم تشريعية، بحجة أنها أخبار آحاد، والواقع ينبئ عما وراء الأكمة من تمهيد الطريق أمام النظم والأفكار الوافدة لتجد قبولا لها في ديار المسلمين،

ومن ثَمّ يتسنى لها استبدال شرع رب العالمين بالقوانين الوضعية المجموعة من زبالات الأفكار البشرية.

(1) ينظر:"الرسالة"للشافعي ص (219) ،و"جامع بيان العلم وفضله"لابن عبد البر (2/ 190،148) ،و"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (13/ 29،28) ، و"التجديد في الفكر الإسلامي"لعدنان محمد أمامة ص (290) .

(2) "مختصر الصواعق المرسلة"لابن القيم (2/ 361) .

(3) "التجديد في الفكر الإسلامي"لعدنان أمامة ص (293) .

(4) "مختصر الصواعق المرسلة"لابن القيم (2/ 412) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت