فهرس الكتاب
ولعل الذي فتح الباب أمام هؤلاء ما فعله البعض الذين قصروا اشتراط التواتر في العقائد دون الأحكام، وردوا بهذا الشرط الكثير من أحاديث المعجزات الغيبيات، بحجة أنها
من أحاديث الآحاد، وأكثر هؤلاء من أصحاب المدرسة العقلية، وما سبب ذلك إلا الانهزام النفسي أمام ضغط الفكر الغربي واتهامه الإسلام بأنه دين الخرافات والأساطير.
3 -الإجماع: إنَّ العصمة ثابتة لهذه الشريعة ولرسولها -، ولم لا وهي صادرة عن الحكيم الخبير المنزه عن كل نقص المبرأ من كل عيب، فهي شريعة ربانية موصوفة
بكل كمال، ولما كان استنباط أحكام تلك الشريعة من نصوصها مهمة العلماء المجتهدين
كان إجماعهم معصومًا من الخطأ، وإن اختلفوا فلا غرابة لوقوع التفاوت بينهم في الفهم والإدراك، والجهد البشري يتفاوت في قوته وكماله، وضعفه ونقصه، إلى أن يبلغ أشده
من الكمال والصفاء والوضوح عند إجماعهم، فيكون حينئذ التعرف الكامل على حكم الله
من هؤلاء المجتهدين والقطع بذلك في صورة جماعية لا يتخلف عنها أحدهم. وقد دل على حجية الإجماع استقراء النصوص والذي أفاد التواتر المعنوي [1] . ومن أظهر تلك النصوص
ما استدل به الإمام الشافعي وهو قوله - تعالى: - وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا - (النساء:115) ، وهذه الآية بينة الدلالة على أن سبيل المؤمنين حجة [2] . ثم إنَّ هذا الإجماع لا بد له من سند من الكتاب و السنة، وإنما جاء الإجماع ليجعل الحكم المستنبط
من الكتاب والسنة ثابتا أبدًا، ويحرم النظر في المسألة بعد ذلك. يقول الآمدي [3] :"اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها" [4] . وبعد هذا البيان للإجماع ومكانته وحجيته، يتبين لنا أنَّ الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي، وأنَّ التجديد الحق هو بعث ما اتفقت عليه الأمة، والدعوة إلى السير
على سبيل المؤمنين، وما ذاك إلا دعوة إلى ما دل عليه الكتاب والسنة على سبيل القطع.
(1) "الموافقات"للشاطبي (1/ 14،13) .
(2) "الإحكام"للآمدي بتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي (1/ 200) ،ومجموع الفتاوى (19/ 194،193) .
(3) هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، أبو الحسن سيف الدين: الفقيه الأصولي، ولد سنة 515هـ بآمد من ديار بكر، توفي في دمشق سنة 631هـ. من مؤلفاته:"الإحكام في أصول الأحكام"، و"منتهى السول في الأصول"، و"أبكار الأفكار في علم الكلام". ينظر:"وفيات الأعيان" (3/ 293) ،"طبقات الشافعية"للسبكي (5/ 129) ،"شذرات الذهب" (5/ 101) .
(4) "الإحكام" (1/ 261) .