فهرس الكتاب
وعلم من ذلك أنَّ خرق إجماع السلف وأئمة المسلمين المجتهدين ليس من التجديد في شيء، بل هو ابتداع صارخ، وضلال مبين، وزيغ عن سبيل المؤمنين، بل هو محاولة لهدم ثوابت الدين. كما أن الدعوى إلى إعادة تحديد وضبط مفهوم الإجماع ليتسع إلى اعتبار الأغلبية إجماعًا، أو الاستفتاء الشعبي إجماعًا، لا تهدف إلى تفعيل الإجماع في الواقع كما يزعم أصحابها، بل تهدف إلى تطويع الدين حسب المصالح والأهواء، لا الكشف عن مراد الله - سبحانه -، فتبين أن هذه الدعوى بلا شك تجريد للدين من ثوابته لا تجديد له وإحياء لمعالمه، والله أعلم.
4 -القياس: إنَّ حقيقة القياس: تشبيه الشيء بنظيره، والتسوية بينهما في الحكم [1] ، وقد اشتملت كثير من الآيات القرآنية على هذا المعنى، وقد ذكر ابن القيم أنَّ هذه الأمثال بلغت بضعًا وأربعين مثلًا [2] .
وقد أجمع السلف على العمل بالقياس. قال المزني [3] صاحب الشافعي:"الفقهاء"
من عصر رسول الله - إلى يومنا هذا و هلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم.
قال: و أجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس" [4] ."
و ما نجده في كلام السلف من ذم الرأي إنما قصدوا به الرأي المجرد الذي لا دليل عليه، بل هو حدس وتخمين، وهذا قد أجمع الصحابة على رَدِّه.
فهذا الإمام ابن عبد البر يحكي مذهب السلف في الاجتهاد والقياس على الأصول ويبيِّن أنَّ المذموم هو:"القياس على غير أصل والقول في دين الله بالظن، وأما القياس"
على الأصول والحكم للشيء بحكم نظيره فهذا مالا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل
(1) "المغني في أصول الفقه"للخبازي (285) ، و"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب"للسبكي
(4/ 135 - 137) ، و"الإبهاج في شرح المنهاج"للسبكي (3/ 3) ، و"روضة الناظر"لابن قدامة (3/ 797) .
(2) "إعلام الموقعين"ص (1/ 130) .
(3) هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني نسبةً إلى مزينة من مضر: صاحب الإمام الشافعي، من أهل مصر، ولد سنة 175هـ، كان زاهدًا عالمًا مجتهدًا قوي الحجة إمام الشافعية في عصره، توفي بمصر سنة 264هـ. له:"المختصر"، و"الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، و"المنثور". ينظر:"طبقات الفقهاء"للشيرازي ص (97) ، و"وفيات الأعيان"لابن خلكان (1/ 217) ، و"سير أعلام النبلاء"للذهبي (12/ 492 - 497) ، و"الأعلام"للزركلي (1/ 329) .
(4) "جامع بيان العلم و فضله" (1/ 97،96) .