فهرس الكتاب
ولقد كانت المصلحة شعارًا براقًا، ومطيةً ذلولًا، يمتطيها دعاة التجديد المخالف للشريعة، وما وقع من وقع في الافتئات على الشرع - بحجة المصلحة - إلا لتجاهله شروط اعتبار المصلحة، ورفضه الانضباط بالنصوص والقواعد الشرعية لاستنباط الأحكام.
وشر من ذلك دعوة بعضهم لأصول جديدة للفقه تتحرر من الشروط والضوابط، وتكتفي بالفهم المقاصدي العام لجملة النصوص الشرعية دون التزام بما تدل عليه آحاد النصوص من أحكام [1] . ومكمن الخطر انطلاق هذا الفريق من الاستدلال على اعتبار الشارع لأصل المصلحة في الأحكام، لينتهي إلى أنه يلزم من هذا الاعتبار الشرعي أن تكون المصلحة هي المعيار الأهم الذي تغياه الشارع في تطبيق الأحكام معقولة المعنى، ووجَّه الأدلة بهذا الاتجاه حتى بلغ بالمصلحة إلى أن عدها دليلًا مستقلًا يصلح لمعارضة دليل النقل، بل ويترجح عليه. وعليه فليس محل النزاع مع هذا الفريق قوله باعتبار الشارع للمصلحة في الأحكام، بل إن الإشكال الذي وقع فيه هو اعتبار جنس المصلحة - غير المعارضة للدليل القطعي عند البعض - معيارًا أصيلًا في تطبيق أحكام الشرع، حتى إنها لترتقي إلى درجة الأدلة النقلية المغلبة على الظن في الاعتبار، بل وتقدم عليها [2] .
ولخطورة هذه الدعوة سوف أتوقف قليلا لمناقشتها، وسوف تتركز المناقشة حول القول باعتبار جنس المصلحة دليلًا معمولًا به في تطبيق الأحكام بذاته بلا ضابط سوى الترقي عن معارضة الدليل القطعي - عند البعض - وإن عارضت الأدلة المغلبة على الظن، وسوف تتلخص المناقشة في النقاط التالية [3] :
أولًا: لقد ألفينا الشارع ينيط المصالح بالمظان المظهرة الضابطة لها باعتبارها معايير تقتفى في اجتناء المصالح المقصودة، بما يظهر بجلاء عدم اعتبار الشارع لجنس المصلحة الخلية عن المظان المظهرة الضابطة والمستفادة بدلالة النصوص [4] .
وبهذا يتأكد أن العبرة بالأحكام في الشرع بأسبابها لا بحكمتها وفوائدها [5] .
(1) "التجديد في الفكر الإسلامي"لعدنان أمامة ص (318) .
(2) "الحكم الشرعي بين أصالة الثبات و الصلاحية"لعبد الجليل ضمرة ص (170) .
(3) ينظر: المصدر السابق ص (170 - 185) .
(4) ينظر:"شرح تنقيح الفصول"للقرافي ص (414) ، و"الموفقات"للشاطبي (1/ 9) ، (2/ 313) ، و"قواعد الأحكام"لابن عبد السلام (2/ 299،232) ، و"المسودة"لابن تيمية ص (423) ، و"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (21/ 240) ، و"إعلام الموقعين"لابن القيم (1/ 13) ، (4/ 373) .
(5) "قواطع الأدلة"لابن المظفر السمعاني ص (0/ 178) .