فهرس الكتاب
يقول الآمدي:"الحكمة المعرِّفة للسببية ليس مطلق حكمة، بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم، فلا تكون بمجردها معرفة للحكم، فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها من الوصف، فلا يمكن تعريف الحكم بها؛ لعدم الوقوف على ما به التعريف لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، و ما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة دفعا للعسر والحرج عليهم" [1] .
ومن أمثلة ذلك: اعتبار الشارع السفر مظنة المشقة في تحصيل الترخص، فالمشقة نسبية فأحيلت على مظنة منضبطة، وإقامة مطلق الشرب مقام السكر في إقامة الحد وإن لم يفض الشرب إليه، واعتبار تغييب الحشفة مظنة للإنزال في وجوب الغسل وإن أكسل، وإقامة البلوغ مقام العقل في توجيه خطاب التكليف [2] . ومن ثَمَّ فإن القول بنوط الأحكام بجنس المصلحة كيفما تحصلت على خلاف عرف الشارع في ضبط الأحكام؛ لذا يعتبر هذا العرف التشريعي المطرد نقضا للقول باعتبار جنس المصلحة دليلًا شرعيًا مستقلًا، ولو عارض النص.
ثانيًا: إن القول بتخصيص النصوص بمطلق المصلحة إذا عارضتها في أبواب المعاملات يعد غارة على النصوص لتأويلها وتعطيلها، فإذا كانت النصوص الشرعية الصادرة عن أحكم الحاكمين أفضت إلى التنازع والتخالف - زعمًا - أفتصبح المصلحة مفضية إلى الاتفاق والتآلف وهي منعدمة الضبط؟! فما يراه عقلك مصلحة أراه يلابس مفسدة تربو عليها وهكذا. ومن ثَمَّ فإنّ هذا القول يتضمن معارضة أصل الثبات في الأحكام، يوضح هذا المعنى إمام الحرمين الجويني فيقول:"هذه الفنون في رجم الظنون، ولو تسلطت على قواعد الدين لاتخذ كل من يرجع إلى مسكة من عقل فكْرَه شرعًا، ولانتحاه ردعًا ومنعًا، فتنهض هواجس النفوس حالّة محل الوحي إلى الرسل، ثم يختلف ذلك باختلاف الأزمنة و الأمكنة، فلا يبقى للشرع مستقر و ثبات" [3] .
ثالثًا: إن هذا القول يتضمن فتحًا لأبواب الهوى - في مقام التشريع - على مصارعها بغير ضابط، فما دامت المصلحة بادية لعقل هذا أوذاك في معارضة النص مقدمة عليه، فأي هوى أعظم من هذا؟!
(1) "الإحكام" (1/ 112) .
(2) "الفروق"للقرافي (2/ 165) ، و"إحكام الفصول"للباجي ص (470) ، و"المستصفى"للغزالي (1/ 175) .
(3) "غياث الأمم"للجويني ص (221) .