فهرس الكتاب
وقد ورد في الشرع النهي عن اتباع الهوى، يقول - عز وجل: - فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - (القصص:50) ، ويقول - جلّ شأنه-: - أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ - (الجاثية:23) . ويقول - عزَّ مِنْ قائل: - يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ - (صّ:26) . فهذه الآيات دالة على أن طريق الحكم للوقوف عليه حاصل في أمرين لا ثالث لهما وهو: الحق المستفاد من الشرع، والهوى المستفاد من العقل والنفس، ثم دلت على عزل العقل بعزل الهوى، إذ لا يمكن الانصياع لأمر الشرع إلا بذلك [1] . يقول الشاطبي:"وضع الشريعة وإن كان لمصالح العباد، فإنما هو بحسب أمر الشارع، وعلى الحدّ الذي حدّه، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم" [2] .
رابعًا: قد تقرر عند هذا الفريق أن الشارع قد راعى مصالح عباده في خلقهم ومعاشهم ومعادهم، فإذا كان كذلك فمن المحال الظن بأن يكون - تعالى - قد أهمل تلك المصالح في النصوص وأحكام الشرع المستفادة منها، فلا وجه لمعارضة المصالح للنصوص [3] ، وإنما يحصل هذا التعارض في الفهم السقيم للنصوص والأحكام. يقول الإمام الغزالي:"ففي موضوعات الشرع فيما تعرضت له النصوص غنية ومندوحة عن كل وجه مخترع بالمصالح، وإنما يظن الحاجة إلى غير المشروع من لم يطلع على وجوه لطف الشارع ومحاسنه، بل نعلم أن مراسم الشرع فيما أحاطت به حاوية لجميع المصالح ومغزاها" [4] .
خامسًا: افترض هؤلاء أن النص إذا عارضته المصلحة تُقدم عليه بدعوى شهادة النصوص الكثيرة لاعتبار المصلحة في الشرع بما يفيد القطع بالأخذ بها وإعمالها، فليس هذا افتئاتًا على النص بل عمل بالنصوص الكثيرة. ويجاب عنه: بأن النصوص الكثيرة قد ظهر اعتبارها لجنس المصلحة عمومًا لا لهذه المصلحة المعينة المعارضة لهذا الدليل المعين،
(1) ينظر:"إعلام الموقعين"لابن القيم (1/ 74) ، و"الموافقات"للشاطبي (2/ 153،38،16) ،
(2) "الموافقات" (2/ 172) .
(3) ينظر:"بدائع الفوائد"لابن القيم (3/ 152) .
(4) "شفاء الغليل"ص (227، 228)