فهرس الكتاب
وفرق بين اعتبار جنس المصلحة عمومًا واعتبار هذه المصلحة المتوهمة المعينة على الخصوص. ثم إنّ الأدلة الشرعية قد تكاثرت تكاثرًا عظيمًا في الدلالة على وجوب العمل بالدليل المغلب على الظن على وجه لا تدانيه تلك النصوص الدالة على اعتبار جنس المصلحة، فيكون العمل بما دل عليه النص أظهر من كل وجه على العمل بتلك المصلحة المزعوم تعارضها مع النص. يقول الشاطبي:"فمواجهة أمر الشارع بالمخالفة يقتضي بالخروج في ذلك الفعل عن مقتضى خطابه، والخروج في الأعمال عن خطاب الشارع يقتضي بأنها غير مشروعة، وغير المشروع باطل" [1] .
سادسا: اعتبار العبادات تختص بحق الشارع استقلالًا، وأن المعاملات تختص بحق العباد استقلالًا، وحق الله فيها بالتبعية، يستلزم منه اتهام الشارع بتركه للعباد في جل أحوالهم وأعمالهم؛ ليتدبروا بأنفسهم، وهذا معارض للنصوص المتكاثرة في الدلالة على وجوب التحاكم لله ولرسوله - في كل شيء، يقول الله - تعالى: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا - (النساء:59) ، وقوله: - فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء - عام يشمل العبادات والمعاملات، بل القصد إلى المعاملات فيها أظهر؛ لأنها محل التشاجر بين الناس غالبا. يقول أبو بكر الباقلاني [2] :"إذا أوجب اتباع المصالح، لزم تغيير الأحكام عند تبدل الأشخاص وتغيير الأوقات واختلاف البقاع عند تبدل المصالح، وهذه تفضي إلى تغيير الشرع بأسره، وافتتاح شرع آخر لم يثبت من الشارع وهذا محال، إلا أن يقولوا: نحن مع المصالح بشرط: لا تهجم على نص الرسول - بالرفع" [3] .
سابعا: إنّ أقرب طريق للوقوف على مقصود الشارع هو النص، وكما أنهم راعوا ذلك في العبادات، فإنّ هذا في المعاملات أظهر حيث توسع الشارع فيها باعتبار المعاني والعلل؛
(1) "الموافقات" (1/ 294) .
(2) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، أبو بكر المعروف بالباقلاني البصري: الفقيه المالكي، المتكلم الأصولي، ولد سنة 338هـ، ونشأ بالبصرة وسكن بغداد، انتهت إليه رئاسة المالكية بالعراق
في عصره، توفي سنة 403هـ. له: كتاب"شرح الإبانة"، و"شرح اللمع"، و"التمهيد في أصول الفقه"، و"المقنع في أصول الفقه". ينظر:"تاريخ بغداد" (5/ 379) ، و"وفيات الأعيان" (4/ 269) ، و"شذرات الذهب" (3/ 168) .
(3) "المنخول"للغزالي ص (356) ، وينظر:"قواعد الأحكام"لابن عبد السلام ص (2/ 304) .