فهرس الكتاب
فيلزمهم الوقوف عند إذن الشرع ودلالته - فضلا عن مخالفته -كما لزمهم في العبادات، وإلا دخل هذا في باب تشريع ما لم يأذن به الله. يقول الغزالي:"إذا لم يرد من الشارع حكم على وفقه [أي الرأي] ، فاتباعه وضع للشرع بالرأي والاستحسان، وهو منصب الشارعين لا منصب المتصرفين في الشرع، وإنما إلينا التصرف في هذا الشرع الموضوع، فأما ابتداء الوضع فليس لأحدٍ من الخلق التجاسر عليه" [1] . ثم قرر - رحمه الله - بعد ذلك قاعدة عامة في الشرع:"أن اتباع المصالح على مناقضة النص باطل" [2] . وحتى تنضبط الأمور ويعمل بمقاصد الشرع حقًا ينبغي أن تُضم قاعدة أخرى لسابقتها هي:"أن الحكم بأن هذه مصلحة، وهذه مفسدة مما يختص بالشارع، لا مجال للعقل فيه" [3] .
2 -الاستحسان:
الاستحسان في اللغة: عدّ الشيء حسنًا، تقول: استحسنت كذا، أي اعتقدته حسنًا [4] .
وفي الاصطلاح الشرعي: أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه؛ لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول [5] .
فالاستحسان عملية عكسية للقياس؛ إذ القياس إلحاق المسألة بنظائرها في الحكم، بينما نرى في الاستحسان قطعًا للمسألة عن نظائرها في الحكم لوجود ما يقتضيه [6] .
ويقسم علماء الحنفية الاستحسان تبعًا للوجه المقتضي لذلك العدول إلى أربعة أقسام كالآتي:
أولًا: استحسان الأثر: وهو العدول عن حكم القياس إلى حكم مخالف له، لدليل خاص من الكتاب والسنة يقتضي هذا العدول.
ثانيًا: استحسان الإجماع: وهو العدول عن مقتضى القياس إلى حكم آخر انعقد عليه الإجماع.
ثالثًا: استحسان الضرورة: وهو العدول عن حكم القياس إلى حكم يخالفه لضرورة توجب ذلك أو مصلحة راجحة، وذلك رفعًا للحرج أو سدًا للحاجة.
رابعًا: الاستحسان القياسي: وهو أن يتجاذب المسألة قياسان: أحدهما: ظاهر جلي متبادر إلى الذهن، والآخر: دقيق خفي، ولكنه أقوى حجة وأعظم تأثيرًا من القياس الظاهر فيأخذ به [7] .
فالاستحسان -بأقسامه الأربعة - عند علماء الحنفية إنما هو بمعنى العمل بالدليل الراجح [8] ، وهذا أمر متفق عليه سواء سمي ذلك استحسانًا أم سمي باسم آخر. أما علماء المالكية - في جملة آرائهم - يعرفون الاستحسان بأنه: أخذ بمصلحة جزئية يرجحونها في مسألة جزئية على الأخذ في هذه المسألة بمقتضى القياس المطرد مادام لا نص في كتاب أو سنة [9] . ولقد يتقارب على ذلك الاستحسان من المصالح المرسلة، ولكن الشاطبي في الاعتصام يفرق بينهما فيقول:"فإن قيل: فهذا من باب المصالح المرسلة لا من باب الاستحسان، قلنا: نعم، إلا أنهم صوروا الاستحسان تصوير الاستثناء من القواعد بخلاف المصالح المرسلة" [10] .أي أن الاستحسان يكون استثناء في مقابل قياس، بخلاف المصالح المرسلة فإنها تكون حيث لا يكون ثمّة دليل خاص. والمصالح المرسلة التي أخذ بها الإمام مالك - رحمه الله - هي المصالح الملائمة في الجملة لمقاصد الشارع، ولا يشهد لها دليل خاص من الشريعة بالإلغاء أو الاعتبار. والشافعي - رحمه الله - يأخذ بالمصالح المرسلة، ولكنه يشترط المشابهة بينهما وبين مصلحة معتبرة بإجماع أو نص فلا تكون مرسلة، على أن الشافعي لم يأخذ بهذا النوع من المصلحة على أن المصالح المرسلة تعتبر دليلًا يؤخذ به عند عدم النص، بل على أن هذه المصلحة المعتبرة عنده وجه من وجوه القياس، فهي داخلة في بابه غير خارجة من الأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وليست أصلًا قائمًا بذاته [11] . وبعد هذا البيان اللازم لمذاهب الفقهاء في الاستحسان بتبين لنا أن مرده إنما هو إلى نصوص الشارع، ومنضبط بضوابطه.
أما الاستحسان بمعنى"ما يستحسنه المجتهد بعقله" [12] دون استناد إلى دليل شرعي معتبر فإنه ليس من التجديد في شيء، بل هو أمر متفق على بطلانه وتحريمه ولا قائل به؛ لأن الأمة مجمعة
(1) "شفاء الغليل"ص (209) .
(2) المصدر السابق ص (220) .
(3) "الموافقات"للشاطبي (2/ 315) .
(4) "لسان العرب"لابن منظور (3/ 180) مادة"حسن".
(5) ينظر:"كشف الأسرار"لعبد العزيز البخاري، و"التلويح"للتفتازاني (2/ 81) ، و"الإشارة في معرفة الأصول"لأبي الوليد الباجي ص (312) ، و"روضة الناظر"لابن قدامة (2/ 531) .
(6) "التجديد في الفكر الإسلامي"لعدنان أمامة ص (328) .
(7) "أصول السرخسي" (2/ 206 - 207) ، و"المغني في أصول الفقه"للخبَّازي ص (308) ، و"كشف الأسرار"للبخاري (4/ 2) ، و"المدخل الفقهي العام"للزرقا (1/ 78،77) ، و"المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية"لعبد الكريم زيدان ص (200) .
(8) "كشف الأسرار"للبخاري (4/ 3) .
(9) "الموافقات"للشاطبي (4/ 205 - 206) .
(10) "الاعتصام" (2/ 324) .
(11) "الشافعي"لأبي زهرة ص (275) .
(12) "روضة الناظر"لابن قدامة (1/ 65) .