الصفحة 44 من 71

على تحريم القول على الله بدون دليل، وعلى هذا المعنى من الاستحسان يحمل كلام الإمام الشافعي"من استحسن فقد شرع" [1] .

3 -الضرورة:

الضرورة لغةً: الحاجة والشدة لا مدفع لها، وهي اسم مصدر الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء، واضطره إليه: أحوجه وألجأه، فاضطر [2] .

والضروريات التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها هي: الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، فمتى كانت إحدى هذه الضروريات معرضة للهلاك أو الخطر يقال: وقع الإنسان في حالة ضرورة، فالضرورة أعلى رتب المشقة التي شرع من أجلها التيسير، قال - تعالى: - إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ - (البقرة: من الآية173) وقال أيضًا: - فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - (المائدة: من الآية3) وقال - سبحانه: - وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه - (الأنعام: من الآية119) والإكراه من حالات الاضطرار قال - سبحانه: - إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان - (النحل: من الآية106) .فمراعاة الشريعة للضرورة ثابتة بالكتاب والسنة، ولكن بضوابطها، وإلا فهو الانسلاخ من الدين وأحكامه بدعوى الضرورة، ومن أهم تلك الشروط والضوابط ما يلي: [3]

أولًا: أن يتيقن المضطر أو يغلب على ظنه أنّه إن لم يرتكب المحظور فسيلحقه ضرر في إحدى الضروريات الخمس، كأن تتعرض نفسه للهلاك أو ما يقاربه إن لم يأكل الميتة، ودليل هذا الشرط: ما علم من موارد الشريعة أن الأحكام إنما تناط باليقين والظنون الغالبة، ولا التفات إلى الأوهام والظنون.

وعليه فلا يجوز استباحة أكل الربا بحجة الضرورة الاقتصادية، وأن الحياة المعاصرة لا تستغني عن الفوائد، أو استباحة الخمور لغير المسلمين بحجة الضرورة الاقتصادية من تنشيط السياحة وحاجة البلاد للعملة الصعبة، أو ما إلى ذلك.

ثانيًا: أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور، وذلك بألا يكون لدفع الضرر وسيلة أخرى من المباحات يدفع بها الضرر عن نفسه، ولو كان بالاستيلاء على ملك غيره، فلو وجد طعامًا لدى آخر فلا يجوز له أكل الميتة بل عليه أن يأخذه، ويضمنه لصاحبه بالقيمة.

(1) "المستصفى"للغزالي ص (247) .

(2) "لسان العرب"لابن منظور (4/ 483) ، و"القاموس المحيط"للفيروز آبادي (2/ 77) مادة"ضرر".

(3) ينظر"التجديد في الفكر الإسلامي"لعدنان محمد أمامة ص (346،345) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت