فهرس الكتاب
ثالثًا: أن يقتصر فيما يباح تناوله للضرورة على الحد الأدنى، أو القدر اللازم لدفع الضرر؛ لأن إباحة الحرام ضرورة تقدر بقدرها.
وعليه فأحكام الضرورة استثنائية، ولا وجود لضرورة دائمة في كل الأوقات، وعامة في جميع المكلفين؛ لأن ذلك يؤدي إلى زوال أحكام شرعية من أصلها، ونسخها وإبدالها بأحكام أخرى، وفي ذلك إبطال للشرع وهدم للدين.
رابعًا: ألا يكون في ارتكاب المحظور للضرورة ارتكاب محظور أعظم منه أو مساوٍ له، ولذا أضاف بعض العلماء إلى قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) عبارة: (بشرط عدم نقصانها عنها) ، ومثّلوا لذلك بما لو أكره إنسان على قتل غيره بالقتل، فلا يباح له ذلك؛ لأن مفسدة قتله أخف من مفسدة قتله لغيره [1] .
4 -الذرائع والحيل:
الذرائع جمع ذريعة، والذريعة: الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء [2] والأصل في اعتبار الذرائع هو النظر في مآلات الأفعال فيأخذ الفعل حكمًا يتفق ما يؤول إليه، فإذا كان الفعل المباح يؤول إلى مفسدة فإنه يمنع ويسدّ وهو ما يعرف بسد الذرائع، وإذا كان الفعل المحرّم يؤول إلى مصلحة أرجح من المفسدة المترتبة عليه فإنه حينئذ يفعله، وهو ما يعرف بفتح الذرائع. يقول القرافي:"اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره، وتندب، وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج" [3] . وحيث إن مدار هذه القاعدة على تقدير المصالح والمفاسد ومآلات الأفعال فقد صارت مرتعًا خصبًا لأولئك المنحرفين الرافعين شعار التجديد والتطوير ومواكبة روح العصر حيث اتخذوا منها ستارًا يخفي عوار اجتهاداتهم الباطلة فبعد أن كانت القاعدة تهدف إلى تحقيق مقصود الشارع من تحصيل المصالح ودرء المفاسد، صارت تستغل لتعطيل الأحكام، وإبطال الشرائع. وصنيعهم هذا لم يخف على الجهابذة النقاد من الأئمة والعلماء، السابقين منهم واللاحقين فتتبعوا مواضع طعناتهم، وكشفوا عوار فكرهم، وفرقوا بين تحقيق قاعدة الذرائع وبين التحايل على الشرع فتجدهم يضعون تعريفًا للحيلة لتتميز بها عن الذريعة، فالحيلة هي:"تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر" [4] ."وكل حيلة تضمنت إسقاط حق الله أو الآدمي"
(1) "الأشباه والنظائر"للسيوطي ص (84) .
(2) ينظر:"لسان العرب"المادة"ذرع"، و"شرح تنقيح الفصول"للقرافي ص (448) .
(3) "شرح تنقيح الفصول"ص (449) .
(4) "الموافقات"للشاطبي (4/ 206) .