فهرس الكتاب
ثالثًا: نجاحه (- صلى الله عليه وسلم -) فيما جاء به وله:
والمقصود بها القدرة على نشر الدعوة الإصلاحية وتطبيقها في كل الميادين وإدخالها في القلوب المتحجرة والأدمغة الصماء حتى تلين وتقبلها، مع تحمل ما في سبيل ذلك من أعباء ومصاعب وأهوال ومتاعب (1) فطهر العقول والنفوس من عبادة الأصنام وأقام مكانها عقيدة التوحيد القائمة على الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له، وكتبه، ورسله السابقين، واليوم الآخر يوم الحساب والثواب والعقاب على أعمال الدنيا من خير وشر.
وأقام مجتمعًا جديدًا مبنى على مفاهيم وأسس اجتماعية جديدة تنعدم فيه العصبية القبلية، والتفاخر بالأنساب، وإضاعة حقوق المرأة ... ولذلك انتصر الإسلام على الجاهلية، ودخل الناس في دين الله أفواجًا بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم ومشاعرهم، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا مما قضى، ولا تكون لهم الخيرة من أمرهم ويسلموا تسليمًا.
ويصفهم أبو الحسن الندوى بقوله:"هذا والرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يغذى أرواحهم بالقرآن، ويربى نفوسهم بالإيمان ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم، عن طهارة بدن، وخشوع قلب، وخضوع جسم، وحضور عقل، فيزدادون كل يوم سمو روح، ونقاء قلب، ونظافة خلق، وتحررًا من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات، ونزوعًا إلى رب الأرض والسموات، ويأخذهم بالصفح الجميل والصبر على الأذى وقهر النفس. ولم يزل (- صلى الله عليه وسلم -) يربيهم تربية دقيقة عميقة، ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ويزكى جمرة قلوبهم ومجالس الرسول تزيدهم رسوخًا في الدين، وعزوفًا عن الشهوات، وتفانيًا في سبيل المرضاة، وحنينًا إلى إلى الجنة، وحرصًا على العلم وفقهًا في الدين ومحاسبة للنفس ويطيعون الرسول ى المنشط والمكره وينفرون في سبيل الله خفافًا وثقالًا، قد خرجوا مع الرسول للقتال سبعًا وعشرين مرة في عشر سنين، وخرجوا بأمره للقاء الأعداء أكثر من مائة مرة فهان عليهم التخلى عن الدنيا وهانت عليهم رزيئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه (2) ولذلك يصفه الباحث الفرنسى المستشرق ديزرية بلانشيه بقوله: إن النبى محمدًا يعد من أبرز وأشهر رجال التاريخ، فقد قام بثلاثة أعمال عظيمة دفعة واحدة وهى: أنه أحيا شعبًا، وأنشأ إمبراطورية، وأسس دينًا. (3) "
أما الفرنسى قولتير برغم علمانيته إلا أنه لم يكتم إعجابه بعظمة شخصية الرسول الفذة فيقول: ..."إن في نفس محمد لشيئًا عجيبًا طريفًا رائعًا يحمل الإنسان على الإعجاب والتقدير، ولعمرى إن الرجل وقف يدعو إلى الله، ويتحمل الأذى في سبيل هذه الدعوات سنوات عديدة، وأمامه الجموع المشركة تعمل جهدها لمعاكسته وقتل فكرته، إنه اذًا يستحق كل تقدير وتمجيد." (4)
(1) عظمة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) خاتم رسل الله لمصطفى الزرقا ص 25، بتصرف.
(2) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، لأبى الحسن الندوى ص 126.
(3) ديزريه بلانشيه: دراسات في التاريخ الدينى.
(4) فرانسوافولتير:"محمد"عن محمد في الدراسات الاستشراقية المنصفة ص 101.