الصفحة 30 من 60

ويقول لامارتين (1790 - 1869) فى كتابه"تاريخ تركيا": لو أن عظم الغاية، وصغر الوسائل، وقلة الموارد، والنتائج المدهشة هى ثلاثة معايير لعبقرية الإنسان، فمن يجرؤ على مقارنة أى رجل عظيم في التاريخ الحديث بمحمد؟ إن أشهر الرجال صنعوا الأسلحة وشرعوا القوانين ووضعوا النظريات وأسسوا الإمبراطوريات فقط، فهم لم يؤسسوا - لو اعتبرنا أنهم أسسوا شيئًا يذكر - أكثر من قوى مادية أو سلطات مادية كثيرًا ما انهارت وزالت أمام أعينهم أما هذا الرجل - محمد - فإنه لم يحرك ويؤثر في الجيوش والتشريعات والإمبراطوريات والشعوب والأسر فقط ولكنه حرك وأثر في ملايين الرجال، بل الأكثر من ذلك أنه أزاح الأنصاب، والمذابح والآلهة الزائفة وأثر في الأديان وغير الأفكار والاعتقادات والأنفس. (1)

"فمن يجرؤ على مقارنة أى رجل عظيم في التاريخ الحديث بمحمد؟ ... إنه سؤال استفهام غرضه النفى فكأنما يقول ضمنًا: لا يوجد إنسان أعظم من محمد (- صلى الله عليه وسلم -) .... ومحمد أعظم من عاش أبدًا."

فأما عن عظمة الغاية:

فالتاريخ يثبت أن الفترة التى بعث فيها الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) كانت أكثر فترة مظلمة في التاريخ البشرى، فكانت هناك حاجة لبعث رسول ليكون إصلاحًا للبشرية كلها {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} (2) .

يقول - ديدات - في الرسول الخاتم: ... ماذا يستطيعون أن يقولوا - أى أعداء الدين - عن الحقيقة التاريخية أنه قبل موته أرسل خمس رسائل واحدة إلى كل من البلاد الخمسة المحيطة، يدعهم إلى دين الإسلام: إمبراطور فارس، ملك مصر، نجاشى الحبشة، إمبراطور الروم هرقل بالقسطنطينية، وملك اليمن. وهو بذلك يضرب لنا مثلًا في تنفيذ رسالته السماوية و"عظمة الغاية، وإصلاح البشرية كلها بهدايتها للإيمان بالله. فهل يمكن أن يضارع أى دين آخر عالمية الإسلام؟. ولم يبعث محمد (- صلى الله عليه وسلم -) لكى يسجل أو يحطم أى أرقام قياسية وإنما بعث لكى يقوم بالمسؤولية التى أسندها إليه رب العالمين. (3) "

وأما قلة الوسائل:

فإن محمدًا (- صلى الله عليه وسلم -) ولد يتيمًا وعاش كذلك بعيدًا عن الملذات الحسية ومتاع الدنيا، والشيء والوحيد الذى كان بوسعه أن يقدمه لأتباعه هو الوعد برضوان الله تعالى إن هم أطاعوه وساروا على نهجه (- صلى الله عليه وسلم -) .

ولذلك كانت حياته (- صلى الله عليه وسلم -) كتابًا مفتوحًا أمام من يدعهم: عرفوا نبل أخلاقه وكمال غايته وصدقه وأمانته وحماسته من أجل الحق الذى يدعو إليه ويستمسك به ولذلك يقول ستانلى لان بوول: لقد كان مفعمًا بالحماسة لهذا المفهوم النبيل، وعندما تصبح الحماسة ملح الأرض تكون الشيء الوحيد الذى يحفظ الناس من الفساد ما داموا أحياء ... لقد كان - محمدًا - مفعمًا بالحماسة عندما كانت الحماسة الدينية الشيء الوحيد المطلوب ليحول الدنيا إلى شعلة متوهجة وحماسته هذه كانت نبيلة ولهدف نبيل. (4)

(1) لامارتين: تاريخ تركيا المجلد الثانى ص 276، 277. طبعة باريس 1854م. نقلًا عن محمد المثال الأسمى لأحمد ديدات ص 51، 52.

(2) الأنبياء 107.

(3) الرسول الخاتم، لأحمد ديدات ص 61، ترجمة محمد مختار.

(4) ستانلى لان بوول. عن المرجع السابق ص 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت