الصفحة 32 من 60

والمعجزة - في اصطلاح علم الكلام - أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدى، سالم عن المعارضة (1) والمعجزة دليل النبوة، فلا تصح نبوة بدون معجزة. وهذا مبدأ مقرر ومتواتر بالإجماع عند النبيين والمرسلين. فقد سماها القرآن: سنة الأولين: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنّةَ آلأوّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَحْوِيلًا} (2) ، وسماها السلطان المبين: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مّبِينٍ - إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} (3) .

فالمعجزة على أنواعها، هى سلطان الله المبين لصحة النبوة، وسننه المتواترة في رسله ودعمًا لدعوتهم. يقول الإمام السيوطى - رحمه الله - المعجزة نوعان:"إما حسية وإما عقلية. وأكثر معجزات بنى إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلة بصيرتهم. وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية لفرط ذكائهم وكمال إفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر". (4)

ولذلك يقول الإمام البيهقى:"فأما العلم الذى اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أيام حياته ودام في أمته بعد وفاته فهو القرآن العظيم المعجز المبين وحبل الله المتين الذى هو كما وصفه به من ... أنزل تعالى: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لاّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (5) وقال تعالى: {إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مّكْنُونٍ} (6) "

وقال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مّجِيدٌ - فِي لَوْحٍ مّحْفُوظٍ} (7)

وقال تعالى: {إِنّ هََذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ وَمَا مِنْ إِلََهٍ إِلاّ اللّهُ وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (8)

وقال تعالى: {قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَىَ أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (9)

فأبان جل جلاله أنه أنزله على وصف مباين لأوصاف كلام البشر لأنه منظوم وليس بمنثور ونظمه ليس نظم الرسل ولا نظم الخطب ولا نظم الشعر ولا هو كأسجاع الكهان. (10)

والرسول (- صلى الله عليه وسلم -) قد تحدى به قومه أن يأتوا بمثله إن كانوا يقدرون مدللًا على صدق نبوته وصدق ما أوحى إليه وأنه ليس بكلام البشر بل هو كلام رب العلمين. ثم يتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات: {قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} (11) فلم يستطيعوه أيضًا ثم كان التحدى الأعظم أن يأتوا بسورة واحدة: {فَاتُوا بِسُورَةٍ مّن مّثْلِهِ} (12)

-فكان من دلائل نبوته في ذلك ما يأتى:

1 -أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لا يمكن أن يقول ما قال إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعونه ولا يكون هذا اليقين وقع له إلا من قبل ربه الذى أوحى إليه به فوثق بخبره.

(1) الإتقان في علوم القرآن للسيوطى. (2) [سورة: فاطر - الآية: 43]

(3) سورة هود 96: 97. ... (4) الإتقان في علوم القرآن 2: 116.

(5) سورة: فصلت 41: 42. (6) سورة: الواقعة 76: 78.

(7) سورة: البروج 21: 22. (8) سورة: آل عمران - الآية: 62.

(9) سورة: الإسراء - الآية: 88

(10) راجع: دلائل النبوة للإمام البيهقى ص 19، 20، دار الكتب العلمية بيروت ط 1405 هـ.

(11) سورة: هود - الآية: 13. (12) سورة: البقرة - الآية: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت