أولا: ليس في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قول صريح في تحديد وقت الرمي بدءًا من الزوال، وليس فيهما نص صريح في النهي عن الرمي قبل الزوال. والاحتجاج على منع الرمي قبل الزوال بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله: خذوا عني مناسككم غير ظاهر. فكثير من أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحج هي على سبيل الاستحباب. وكلام علماء الأصول في تكييف فعله صلى الله عليه وسلم من حيث الوجوب أو الاستحباب أو الاباحة معلوم ومذكور في موضعه من كتب الأصول وأن مجرد الفعل لا يقتضي شيئا من ذلك وكثير من أفعاله صلى الله عليه وسلم في أعمال الحج كانت على سبيل الاستحباب ولم يحتج أحد على وجوبها بقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) .
ثانيا: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رخص للرِعَاء والسقاة برمي جمار اليومين من أيام التشريق متقدما أو متأخرًا؛ ولم ينههم صلى الله عليه وسلم عن الرمي قبل الزوال. وتأخير البيان عن وقت الحاجة منزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: ذكر مجموعة من أهل العلم أن للحاج تأخير رمي جماره إلى آخر يوم من أيام التشريق فيرميها مرتبة على الأيام السابقة وذكروا من تعليل ذلك أن أيام التشريق مع يوم العيد وقت واحد للرمي، وأن الرميَ آخرَ يوم لجميع أيام التشريق رميُ أداء لا رميَ قضاء واستدلوا على جواز ذلك بترخيصه صلى الله عليه وسلم للرِعاء والسقاة بتقديم الرمي أو تأخيره. ولا يخفى أن غالب العبادات لها أوقات تؤدي فيها ومن ذلك الصلاة. ومن أوقات الصلاة ما يكون أوله وقتَ اختيار وآخرهُ وقتَ اضطرار كوقت الفجر ووقت العصر ووقت العشاء. وأداء الصلاة في أول وقتها أو في آخره سواء أكان ذلك في وقت الاختيار أم في وقت الاضطرار يعتبر أداءً لا قضاءً. وقد قال بعض أهل العلم في تعليل القول بجواز الرمي قبل الزوال. بأن وقت الرمي بعضه وقت اختيار وذلك من زوال الشمس إلى غروبها وبعضه وقت اضطرار وهو بقية اليوم بما في ذلك ليله.
ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن الصلاة في وقتها الاضطراري جائزة وتعتبر أداءً لا قضاءً مع الأثم في التأخير بلا عذر. فقياس وقت الرمي على وقت الصلاة من حيث الاختيار والاضطرار قياس وارد. وقد قال بهذا بعض أهل العلم في تعليل أن كامل الرمي آخر يوم من أيام التشريق رمي أداء لا رمي قضاء ومجموعة من أهل العلم قالوا بأن كامل يوم العيد وأيام التشريق وقت واحد للرمي.
كما قالوا بأن الرمي نسك واحد من تركه أو ترك بعضه فعليه دم واحد. وأن الرمي عبادة واحدة لا تتعدد بتعدد الجمار ولا بتعدد أيام الرمي.
ولا تُعرف عبادةٌ مؤقتة بوقت لا يجوز فعلها في بعضه.
رابعا: الترخيص للرعاء والسقاة في تقديم رميهم أو تأخيره ومبعثه رفع الحرج ودفع المشقة والأخذ بالتيسير. ولا شك أن المقارنة بين المشقة الحاصلة على الرعاء والسقاة في تكليفهم برمي جمارهم مع الحجاج أيام التشريق وبين ما يحصل عليه الحجاج في عصرنا الحاضر من المشقة البالغة والازدحام المميت المقارنة بين الصنفين مقارنة مع مضاعفة الأثر في الأخير ولئن حصل الترخيص للرعاء والسقاة