فهرس الكتاب
ولهذا المعنى يشير عليه الصلاة والسلام محذرًا من الاسترسال وراء هذه الرغبة النفسية الجامحة, فيقول: (( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا, ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) )، فهذا الاندفاع وراء إشباعه هذه الشهوة لن يتحقق فيشعر صاحبه بالغنى, حتى يصل إلى قبره فيمتلئ جوفه بالتراب. ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام واصفًا حقيقة الغنى: (( ليس الغنى عن كثرة العرض؛ ولكن الغنى غنى النفس ) ), وذلك لأن المندفع وراء حب التملك بدون عقل ولا روية, لن يشعر بالغنى والاكتفاء, بل يطلب المزيد بلا حدود فهو في حقيقة الأمر فقير مع كثرة ما يملك. أما من رضي بما قسمه الله له عاملًا وآخذًا بأسباب الرزق في غير تكلف وحرص,فإن قلبه يمتلئ بالغنى والاطمئنان لما كتب له وما رزق. أما الآخر فلن يشعر بذلك, ولو ملك كنوز الدنيا,لأن الشعور بالفقر قد تأصل في نفسه, وصعب تخلصه منه بعد ذلك, لهذا كان تأصيل الوالد لمفهوم الملكية وحدودها في نفس ولده منذ الطفولة أمرًا في غاية الأهمية, فكما هو يعلمه ويدربه على الإنفاق, ويُكرِّه إليه البخل والشح بما عنده, كذلك يقنعه ويعرفه بحدود ملكيته, ويؤدبه على احترام ملكيات غيره.
فالولد الصغير في بداية نشأته، خاصة دون سن السادسة لا يميز بين ما هو له وما هو لغيره، فتراه يندفع يطلب كل ما ترغب فيه نفسه، فيأخذ لعبة هذا، ويطالب بثوب أحد إخوته زاعمًا أنه ثوبه، وربما وجد قطعة نقدية على الأرض فأخذها ونسبها لنفسه، فلا يستطيع الولد بدون التوجيه والتربية الصحيحة أن يعرف كيف يضبط ميوله ورغباته الجامحة.