فهرس الكتاب
وفي مراحل عمر الولد يلاحظ المربي ويراعي من خلال ممارسته للتربية طبيعة الإنسان، وتكوينه وطبيعة خلقته، فهو كما جاء في الحديث أجوف لا يتمالك أي: أنه خال من الداخل، ولا يمكنه أن يملك نفسه، ويحبسها عن شهواتها وملذاتها، فهو بطبيعته لا يحب التقيد والتكلف، بل يهوى الانطلاق والانفلات من كل قيد ورباط. يقول مِسْكَوَيْه مبينًا هذاالمعنى:"إن الصبي في ابتداء نشوئه يكون على الأكثر قبيح الأفعال إما كلها وإما أكثرها.. ثم لا يزال به التأديب والسنن والتجارب حتى ينتقل في أحوال بعد أحوال".
والمربي عندما يدرك أبعاد المهمة الصعبة التي كلف بها، يستعد للصبر على مشقة التربية والتوجيه، التي تستفرغ جهد سنوات من العمر، فلا يمل طولها، ولا يزهد في أجرها عند الله - عز وجل -، ويدرك إدراكًا لا يخالجه شك أن تحسين الخلق، واستبدال القبيح منه بالحسن، ممكن بالتدريب والمتابعة والمجاهدة، ومهما وجد في ولده من بلاده في الطبع، وسماحة في السلوك، وسوء خلق، فإن تعديل ذلك ممكن تحقيقه، وهذا ما أكَّده الغزالي رحمه الله حيث قال:"لو أن الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( حسنوا أخلاقكم. وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك تغيير للأخلاق ) )."
واستدلال الإمام الغزالي، واستشهاده بإمكانية تعديل خلق الحيوان، فيه دليل واضح على إمكانية تعديل خلق الولد، خاصة عند صغر سنه، ونعومة أظفاره، فإذا كان هذا جائزًا في حق الحيوان الأعجم، ففي حق الولد الذي هو أعقل وأقدر على الفهم من البهيمة أولى وأقرب للحصول والتحقيق، لهذا لا ينبغي للأب أن ييأس من إصلاح خلق ولده، بل يلتزم الصبر والمجاهدة والتدريب، حتى يصلحه الله بفضله.