ثم ذكر الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صافح سعد بن معاذ رضي الله عنه فإذا يداه قد اكتبتا، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: أضرب بالمر والمسحاة لأنفق على عيالي، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال:"كفان يحبهما الله تعالى" (1) .
وفي هذا بين أن المرء باكتساب ما لا بد منه ينال من الدرجات أعلاها، وإنما ينال ذلك بإقامة الفريضة ولأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به فحينئذ كان فرضًا بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة.
ثم قال وبيان ذلك من وجوه:
أحدها- أنه لا يمكنه من أداء الفرائض إلا بقوة بدنه وإنما يحصل له ذلك بالقوت عادة، ولتحصيل القوت طرق الاكتساب أو التغالب بالانتهاب، والانتهاب يستوجب العقاب، وفي التغالب فساد، والله لا يحب الفساد، فعين جهة الاكتساب لتحصيل القوت.
وكذلك لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بستر العورة، وإنما يكون ذلك بثوب ولا يحصل له ذلك إلا بالاكتساب عادة، ومالا يتأتى إقامة الفرض إلا به يكون فرضًا (2) .
وللإمام الماوردي فلسفة متكاملة عن نظرية الكسب ويربطها بصلاح أمر الدنيا التي صلاحها من وجهين:
أحدهما ما ينتظم به أمور الناس جميعًا، والآخر ما يصلح به حال كل واحد من أهلها، ويقول: هما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه، وبيَّن أن صلاح الدنيا
(1) انظر الإصابة في تمييز الصحابة ج3/86 (رقم 3207ز) قال: روى الخطيب في المتفق بإسناد واه وأبو موسى في الذيل بإسناد مجهول عن الحسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من تبوك استقبله سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: ما هذا الذي أراك بيدك؟ قال: من أثر المر والمسحاة أضرب وأنفق على عيالي، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: هذه يد لا تمسها النار.
(2) المبسوط ج30/244 وما بعدها لإلى آخر الكتاب.