لا يتحقق إلا بستة قواعد، هي: دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح، ويسترسل في بيان وتوضيح هذه الأمور الستة ومدى ارتباطها وشدة علاقتها بصلاح أمر الدنيا وأهلها لو تتبعناها لخرج بنا عنا المقصود، ولكن نكتفي بذكر شيء مما له صلة بموضوعنا وهي القاعدة الثالثة وهي المادة الكافية، ويقول في توضيح هذه القاعدة لأن حاجة الإنسان لازمة لا يعرى منها بشر، قال الله تعالى { وما جعلناهم جسدًا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين } (1) فإذا عدم المادة التي هي قوام نفسه لم تدم له حياة ولم يستقم دين، وإذا تعذر شيء منها عليه لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دنياه بقدر ما تعذر من المادة عليه لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله ويختل باختلاله.
ويتناول سد حاجات الناس من وجهين: بمادة وكسب، فأما المادة فهي حادثة عن اقتناء أصول نامية بذواتها، وهي شيئان: نبت نام، وحيوان متناسل، قال تعالى (وأنه هو أغنى وأقنى) (2) أي: أغنى بالمال وأقنى: جعل لهم قِنية وهي أصول الأموال.
وأما الكسب فيكون بالأفعال الموصلة إلى المادة والتصرف المؤدي إلى الحاجة وذلك من وجهين:
أحدهما: تقلبٌ في تجارة، والثاني: تصرفٌ في صناعة.
وهذان هما فرع لوجهي المادة فصارت أسباب المواد المألوفة وجهات المكاسب المعروفة من أربعة أوجه: نماء زراعة، ونتاج حيوان، وربح تجارة، وكسب صناعة.
وحُكي عن المأمون أنه قال: معايش الناس على أربعة أقسام: زراعة، وصناعة، وتجارة، وإمارة، فمن خرج عنها كان كلاًّ عليها (3) .
(1) سورة الأنبياء آية (8) .
(2) سورة النجم آية (48) .
(3) 10) كتاب أدب الدنيا والدين، ينظر الباب الرابع في أدب الدنيا.