فهرس الكتاب
وجه الاستدلال أن الله تعالى أمر بالاعتبار، والقياس نوع من الاعتبار، فالقياس مأمور به لذلك، ثم إن الأمر للوجوب، والقياس مأمور به، فالقياس واجب، فإذا كان واجبا كان العمل به واجبا أيضا، فكان دليلا لذلك.
فإن قيل المراد بالاعتبار هنا الاتعاظ لأنه المفهوم من سياق الآية، أجيب بأن الاعتبار يفيد الاتعاظ بطريق العبارة، لأنه المقصود من السياق، وهو يفيد القياس بطريق الإشارة أيضا، لأن الاعتبار هو الاتعاظ، وكل ما هو رد الشيء إلى نظيره، أي إثبات الحكم على الشيء بالدليل المثبت لحكم نظيره، وليس قاصرا على الاتعاظ فقط في أصل اللغة، نعم أنه مساق للأول دون الثاني، وهذا يقتضي أن يكون الأول مفهوما بطريق العبارة والثاني مفهوما بطريق الإشارة لا غير.
فإن قيل: ما دامت الآية واردة في الأول فقط فهذا يعني أن الثاني غير مراد مطلقا، أجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا محل اتفاق، فلا داعي لمخالفته هنا مادام القياس داخلا في الاعتبار في أصل اللغة.
فإذا سلمنا أن الاعتبار هو الاتعاظ فقط، فإننا نقول: القياس ثابت بهذه الآية الكريمة بطريق دلالة النص، وبيانه أن الله قد ذكر هلاك قوم بسبب اغترارهم بقولهم، ثم أمر بالاعتبار بحالهم ليكف الآخرون عن مثل هذا السبب، فلا يحصل لهم ما حصل لأولئك، فكان معنى ذلك أن الله وضح لنا أن العلم بالعلة موجب للعلم بالحكم، وهذا هو القياس، فكان