فهرس الكتاب
2 -أن الشرائع إنما جاءت لتيسير مصالح الدين والدنيا معا، ومصالح الدين والدنيا متغيرة متجددة بتجدد العصور والأزمان، فما كان شريعة صالحة في الأزمنة الغابرة لا يمكن الجزم بأنه شريعة صالحة في زماننا، وإذا كان ذلك كذلك امتنع تكليفنا بها، ولا يمكن أن يرد على هذا أن ذلك يقتضي نسخ شريعتنا أيضا بعدما تقادم عليها الزمن، وذلك أن شريعتنا جاء الدليل القاطع على عمومها ووجوب العمل بها في كل زمان بخلاف تلك، ولأن الشارع عندما أمر بعموميتها أودع في نصوصها من المرونة ما يكفي لتلبيتها حاجات كل العصور، واختلاف الفقهاء في بعض الأحكام أكبر شاهد على هذه المرونة وهذه الصلاحية.
3 -أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا) (المائدة:3) ، وكمال الدين يقتضي عدم الحاجة إلى دليل آخر.
ولا يمكن أن يقال إن كمال الدين معناه من حيث أصول الأحكام فقط، وإلا فما معنى حجية الإجماع والقياس وغيرها، إذ الجواب على ذلك واضح، هو أن الدين نفسه وجه إلى هذه المصادر بأدلة قاطعة فكانت منه، ولكنه لم يوجه إلى الأخذ بشرائع من قبلنا بأدلة قاطعة أو مظنونة فلم تكن منه، فكان اعتبارها والاحتجاج بها مناقضًا لكمال الدين، إذ إن كل ما أورده المثبتون للاحتجاج بها من نصوص هو نصوص دون مرتبة الظن، فلا تصلح دليلا على اعتبار شرائع من قبلنا والاحتجاج بها علينا.