فهرس الكتاب
فهذا المعنى الظاهر مراد ومقصود، ولا يمكن صرفه إلا بنص آخر يضارعه قوة، يكون مورده في باب الولاء، يبين ويوضح: أن التولي ليس بكفر في أصله.
كما أن نصوص الضرب ودعوى الجاهلية، إنما صرفت عن ظاهرها، بنصوص أخرى أثبتت الإيمان لمن وقع فيها، كقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات9] .
فهل توجد نصوص في باب الولاء، تصرف هذا الظاهر للآية كليا، وتبين أن المعنى ليس على ظاهره؟.
إن وجدت صرفت، وإلا فلا، وهذا ما سيتبين لاحقا، لكن إلى هذا الحد لا يوجد، فنحن ندرس دلالة هذا المقطع من الآية، ولا نجد فيه ما يصرف هذا الظاهر، بل نجد فيه ما يؤيده، كما بينا آنفا، ونجد كذلك فيما يتلوه من مقاطع، ما يؤيد ما دل عليه في نفسه، كما سيتبين لاحقا.
إذن هذا النص: صريح فيمن تولى الكافرين: أنه من دينهم وملتهم؛ أي كافر مثلهم.
وما قررته آنفا لا إشكال فيه عند أهل العلم بالتفسير، فإنهم عامتهم فسر قوله: {فإنه منهم} ؛ على معنى: أنه مثلهم في الكفر. ليس بمعنى موافقتهم في أخلاقهم وأعمالهم. (1)
أما خلافهم فجاء من جهة أخرى:
هل كان كفرهم لأجل مطلق التولي، أم للتولي رغبة في دينهم؟.
فبعضهم كفر بمطلق التولي، سواء رغبة في دينهم أو طمعا في الدنيا.
وبعضهم قيد الكفر بما كان عن رغبة في دينهم.
والحاصل أن أحدا لم ينازع في أصل دلالة النص على الكفر، وهذا هو المطلوب؛ لأنهم لو نازعوا لقالوا: لا يدل على الكفر أصلا، بل هو كدعوى الجاهلية، وقتال المؤمنين. لكنهم ما قالوا ذلك.
(1) * -إلا ما كان من ابن الجوزي، فإنه نقل في تفسيره:"زاد المسير"الآية كلاما محتملا، وتبعه عليه أبو حيان في:"البحر المحيط"، وهو قوله:"ومن يتولهم في العهد، فإنه منهم في مخالفة الأمر". ولو حملناه على معنى موافقتهم في أخلاقهم، فإنه قول منفرد مخالف لأقوال سائر المفسرين؛ الذين فسروها بمعنى الموافقة في الدين.