فهرس الكتاب
فكل هذه مرجحات ظاهرة واضحة في حمل الحبوط والخسارة على معنى الكفر؛ أي حبطت أعمالهم جميعها، وخسروا جميع ما قدموا.
وهذا النص وإن لم يكن وحده يدل دلالة صريحة على هذا المعنى، إلا أنها قوية ومعتبرة، فإذا ما أضيفت إلى دلالات أخرى بالقوة نفسها والاعتبار: فإنه لا يسع الباحث أن يتغاضى عن الحكم بها: أن هذا العمل، وهو نصرة الكافر، من الكفر العملي.
فكيف وهناك أدلة صريحة محكمة ؟.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} .
هذا النص في سياق الآيات نفسها، قد أعقبت ذكر النهي عن ولاء اليهود والنصارى، ومسارعة المنافقين فيهم، والتشنيع عليهم بذلك، والحكم بحبوط أعمالهم وخسارتهم، بعد ذلك رجعت الآيات مخاطبة المؤمنين محذرة لهم من الردة عن الدين، ثم عادت تارة أخرى إلى النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء، فهو نص في السياق نفسه، وفي السياق ذكر ظهور كفر المنافقين من السر إلى العلن بوقوعهم في ولاء اليهود، بعمل ظاهر هو: المسارعة فيهم.
إذن النص فيه تحذير المؤمنين، من أن وقوعهم فيما وقع فيه المنافقون، من المسارعة: ردة عن الدين. لامعنى لإيراد هذا الوعيد في هذا الموضع إلا هذا، وبذلك يكون نصا آخر على كفر المتولي.
وهذا مبني على قاعدة: ترابط الآيات والسور، في معانيها وتناسبها في السياق، وأن كل آية تنفذ إلى ما بعدها بصلة، وكل تالية تتلقى ما قبلها.
وبمثل هذا يحصل التدبر في القرآن، كما أمر به: {ليدبروا آياته..} ، [ص~29] ، وهو من الإحكام الذي أخبر به تعالى في قوله: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} [هود 2] ، وقد ذهب العلماء إلى البحث في تناسب السور، ليس الآيات فحسب. وانظر مقدمة كتاب:"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"للبقاعي، تعرف قدر هذا الفن القرآني.
فإذا كان كذلك فلا يزعمن زاعم: أن هذه الآيات المرادة بالبحث، لا علاقة لها بما قبلها وبما بعدها. فهذا يناقض ماسبق من علاقة مسلمة ظاهرة.