فهرس الكتاب
ومثله الحكم بالخلود في العذاب جاء للأمرين:
جاء لاتصاف بعمل كفري، كقوله تعالى: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم ولهم عذاب أليم} [التوبة 68] .
وجاء لتلبس بكبيرة، كقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا} [النساء 93] .
فإذا كان كذلك فهذا العمل لا يخرج عن أحد ذنبين: إما الكفر، وإما الكبيرة.
لكن أيهما المراد شرعا؟.
إذا صار النص محتملا لجأنا إلى المرجحات، وهكذا كل متشابه يحمل ويفهم في ضوء المحكم، وهذا سبيل الراسخين في العلم، كما في قوله تعالى:
{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} [آل عمران 7] .
وهنا مرجحان، يرجحان أن الحكم بالسخط، والخلود في العذاب تعلق بعمل كفري:
المرجح الأول:
لدينا في الآيات نفسها ما يؤيد الحكم بالكفر، كما هو الظاهر، وهو قوله تعالى في أول الآيات:
{لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ، فالحكم بكفرهم هنا جلي، لا وجه لادعاء غير ذلك؛ فالآية تتحدث عن اليهود، وعن الذين كفروا منهم، وكفرهم هذا استحقوه بعصيانهم، وعدوانهم: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} ، { يتولون الذين كفروا} .
فهما ذنبان تلبسوا بهما: ترك النهي عن المنكر، وولاء الكافرين. والذي لا يختلف فيه أحد: أن ترك النهي عن المنكر - هذا العمل الظاهر المجرد - ليس من الكفر في شيء، بل غايته أن يكون كبيرة، فلم يبق إلا ولاء الكافرين، فهو إذن الذنب الذي به كفروا، ولا احتمال غير هذا.