فهرس الكتاب
ومع إعمال هذا الضابط يمكن فهم إذن الشارع ببر غير المحاربين من الكافرين والقسط إليهم، كما في قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة 8] .
وكذا محبة الزوجة الكتابية، وإسداء المعروف إلى الأبوين والإخوة إذا كانوا كفارا، فكل هذا ليس فيه إضرار بالمؤمنين، بل هو مع الإحسان دعوة وبلاغ.
والمقصود: أن الحكم في هذا النص تعلق بعمل ظاهر، سواء كان ولاء بقيد الإضرار بالمؤمنين، أو من دونه. وكما رأينا فإن ابن عاشور يذهب إلى أن الآية حاكمة بالكفر على هذا المتولي، في قوله:
"فاعل ذلك مقطوع الانتماء إلى الله. وهذا ينادي على أن المنهي عنه هنا ضرب من ضروب الكفر".
وقد قال بهذا المعنى جمع من المفسرين، منهم من صرح، ومنهم من قارب، هم:
ابن جرير قال:"ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك: {فليس من الله في شيء} ، يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر". (1)
أبو حيان الأندلسي قال:"هذا يدل على المبالغة في ترك الموالاة؛ إذ نفى عن متوليهم أن يكون في شيء من الله، وفي الكلام مضاف محذوف؛ أي فليس من ولاية الله في شيء، وقيل: من دينه. وقيل: من عبادته. وقيل: من حزبه. وخبر {ليس} هو ما استقلت به الفائدة، وهي {في شيء} . و {من الله} في موضع نصب على الحال؛ لأنه لو تأخر لكان صفة لشيء، والتقدير {فليس في شيء من ولاية الله} ، و {ومن} تبعيضية، نفي ولاية الله عمن اتخذ عدوه وليا؛ لأن الولايتين متنافيتان". (2)
(1) 25) - جامع البيان 5/315.
(2) 26) - البحر المحيط 2/441.