فهرس الكتاب
فأما ابن جرير فكلامه صريح، لا يحتاج إلى تأويل، ومثله أبو حيان، وأما البغوي وابن الجوزي وابن كثير فالأغلب أنهم يجرون مع المعنى القرآني، وحمل كلامهم على هذا هو المتوجه.
لكن بعض المفسرين ذهبوا إلى غير هذا المعنى، فجعلوها براءة ناقصة، غير دالة على الكفر:
فقال ابن عطية:"قوله: {فليس من الله في شيء} ، معناه: في شيء مرضي على الكمال والصواب، وهذا كما قال النبي عليه السلام: (من غشنا فليس منا) (1) ، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: فليس من التقرب إلى الله، أو التزلف، ونحو من هذا، وقوله: {في شيء} هو موضع نصب على الحال من الضمير، الذي في قوله: {ليس من الله} ". (2)
قال أبو حيان معترضا عليه هذا الاستدلال بتوجيه وصف الحكم في النص من الكفر إلى ما دون:
"هو كلام مضطرب؛ لأن تقديره: فليس من التقرب إلى الله. يقتضي أن لا يكون من الله خبرا لـ {ليس} ؛ إذ لا يستقل، فقوله: {في شيء} ، هو موضع نصب على الحال، يقتضي أن لا يكون خبرا، فيبقى {ليس} على قوله لا يكون لها خبر، وذلك لا يجوز."
وتشبيهه بقوله عليه السلام: (من غشنا فليس منا) ليس بجيد، لما بيناه من الفرق بين بيت النابغة بينه وبين الآية". (3) "
وبيانه هو ما سبق نقله آنفا قوله:"وتشبيه من شبه الآية ببيت النابغة:"
إذا حاولت في أسد فجورا…فإني لست منك ولست مني
ليس بجيد؛ لأن منك ومني خبر: ليس. وتستقل به الفائدة، وفي الآية الخبر قوله: {في شيء} ، فليس البيت كالآية"."
وقد سبق لابن عاشور أن استدل بالبيت نفسه على توجيه حكم النص إلى الكفر، غير أنه لم يكن الدليل الوحيد، بل استند كذلك إلى عموم النفي، وانتفاء الدليل المعين لا يلزم منه انتفاء المدلول المعين؛ إذ قد يثبت بدليل غيره.
4-الاستثناء: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} .
(1) - رواه مسلم في الإيمان، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) 1/99 (101) .
(2) 30) - المحرر الوجيز 1/419.
(3) 31) - البحر المحيط 2/441.