فهرس الكتاب
وهذا حال الإكراه، إذا أكره المؤمن على إظهار ولائه للكفار؛ بتهديد أو أذى، فله ذلك:
كما حصل من عمار بن ياسر رضي الله عنه لما أكره على قول كلمة الكفر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف تجد قلبك؟، قال: مطمئنا بالإيمان. قال: فإن عادوا فعد) .
وأنزل الله تعالى قوله: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} . (1)
وكما حصل لمن أكره من المؤمنين المستخفين بإسلامهم بمكة، ولم يقدروا على الهجرة، فأخرجتهم قريشا في بدر، فقاتلوا مع المشركين إخوانهم المسلمين، فلما أسروا عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، كسهل بن بيضاء، حيث أخرجته قريشا كرها، وشهد له ابن مسعود بالإسلام، فأطلق. (2)
وبالعموم فحال الإكراه محل تسامح الشارع، فحيث تحقق فلا يؤاخذ الواقع فيه، وتحققه يكون: بوقوع ضرر على النفس من هلاك ونحوه، وعلى الأهل والأولاد، أما ذهاب المال فلا.
قال ابن جرير:
"ومعنى ذلك:"لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك: {فليس من الله في شيء} ، يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، {إلا أن تتقوا منهم تقاة} ، إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل.
(1) - أخرجه ابن جرير بسنده في جامع البيان، سورة النحل آية 106، 14/374-375.
(2) - انظر قصة سهل بن بيضاء في: الطبقات لابن سعد 4/161، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4/194، وفي الإصابة لابن حجر 3/137.